( خاص صدى سوريا – حنان عارف )
*شابة في مقتبل العمر يقتلها زوجها على مذبح الشرف.
*جريمة شنعاء في حمص.. والحجة دافع الشرف.
*ضحية شرف في الحسكة.. والحكومة ما تزال.. صامتة.
*شقيقتان تذبحان بسكين الشرف.
*قتل صبيتين في الرقة بذريعة الشرف.
*ويستمر قتل النساء السوريات: جريمة شرف جديدة في إدلب.
هذه العناوين ترد في مرصد العنف الذي أوجده موقع نساء سورية لرصد ظواهر العنف ضد النساء في المجتمع السوري، هناك عشرات العناوين غيرها... ودائماً أبطالها رجال و ضحاياها نساء... وللعناوين قصص لا تنتهي تمتد على الخارطة السورية، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب إلى الوسط، حمص تشبه درعا، والسويداء تشبه دير الزور، والضحية دائماً امرأة... أم وأخت وحبيبة وصديقة... صمت يحيط المشهد، وتكتم ليس له مثيل...
فتاة مراهقة تذبح على يد شقيقها المراهق، ويسيل دمها محفوفاً بالزغاريد والتهاني، بينما الجميع صامت علماء الدين , القانونيون ,الشارع ,كله صامت لا ينبس ببنت شفة.. فإلى متى؟
الكثير من المؤتمرات والندوات والملتقيات، وكل يوم ثمة صوت يعلو على موقع إلكتروني ما يطالب بوقف جرائم الشرف، دون أن يكون ثمة حراك حقيقي لرصد هذه "الظاهرة" التي دفعت بسوريا إلى المرتبة الخامسة عالمياً في عدد الجرائم التي ترتكب تحت مسمى " جرائم الشرف "...
للوقوف على هذه الظاهرة كان لا بد من معرفة أسبابها ولماذا لا توجد في سوريا قوانين قادرة على ردع الجناة وصولاً إلى التخفيف من هذه الجريمة، سعياً لجعلها غير موجودة ...
في قانون العقوبات العام وفي المادة 548 منه يرد الآتي:
"1- يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد.
2- يستفيد من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر.".
ويحكم القانون على مرتكب ما يسمى بجريمة الشرف استناداً لهذه المادة، التي وإن لم تكن تجيز له فعل القتل إلا أنها تعطيه العذر إن قتل، وقد طالبت بعض المنظمات الأهلية بتغيير نص هذه المادة كيلا يجد فيها الجناة ملاذا يلوذون به بعد ارتكاب جرائمهم.
و أخيراً لقيت هذه المطالب آذاناً صاغية بعد طول معاناة و جهود حثيثة للفت النظر إلى موضوع بهذه الأهمية و مع استمرار الجدل حوله " ضد – مع " استمر القتل .
صدر بتاريخ 1/ 7/ 2009 المرسوم التشريعي رقم (37) القاضي بتعديل نص المادة (548) من قانون العقوبات السوري العام، بحيث أصبح وفق نص المادة (1) من المرسوم التشريعي المذكور، كما يلي:
(يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء احدهما بغير عمد على أن لا تقل العقوبة عن الحبس مدة سنتين في القتل).
وإذا كان صدور هذا المرسوم التشريعي الذي عدل جزئياً من سقف العقوبة المنصوص عنها في المادة (548) من قانون العقوبات من ستة أشهر إلى سنتين، يعد أمراً جيداً وخطوة إيجابية باتجاه إرساء قواعد العدالة الاجتماعية والمساواة القانونية بين الجنسين..، و لكنه و للأسف لم يكن كافيا لردع هؤلاء الشرفاء من الذكور عن قتل نساءهن بذريعة الشرف فقد استمرت حالات القتل و لنفس السبب " جريمة شرف " و لم تخل صفحات الجرائد من أخبار عن جرائم شرف في مختلف المحافظات السورية ..
حوادث :
قتلت امرأة في حي العنترية (القامشلي-بتاريخ 9/7/2009) رمياً بالرصاص على يد شقيقها أي بعد سبعة أيام فقط من صدور المرسوم .
و في تاريخ 21-7-2009 أقدم شاب في 32 من عمره على قتل شقيقته البالغة من العمر 21 عاما بعد طعنها بسكين بـ"داعي الشرف" في منطقة داعل بدرعا.
وسجل شهر تموز أيضاً جريمتين مشابهتين بـ"داعي الشرف" حيث أقدم رجل في مدينة حمص على قتل ابنته، كما ذبح شاب شقيقته في حلب.
و في مصياف بتاريخ 10-8-2009 ها هو أب يشك بتصرفات ابنته لمجرد جلوسها مع زميل لها في مكان عملهما و يضربها حتى الموت وقد تبيَّنَ فيما بعد أن الفتاة عذراء، ولم يمسسها أحدٌ!!.
و لا يتوقف الأمر على موضوع القتل و إن كان القتل لا يحدث كما يدعون نتيجة فورة الدم فلا يتمالك القاتل أعصابه و يقوم بقتل الضحية و إنما جميع الجرائم كانت تتم بهدوء و روية و عن سابق الإصرار و التصميم و بعد تخطيط مسبق لوضع خطة ملائمة و اختيار طريقة الموت ،و التي تكون و للأسف في كل مرة طرق بشعة غير إنسانية و كأن القاتل يتفنن في تعذيب ضحيته ناسيا أو متناسيا أنها من صلبه و أن دمها الذي يسيل على الأرض هو دمه أيضاً ففي تاريخ 3-11-2009 تفنن شفيق وعمار و شقيقهما الحدث عبد بتحريض من والدهم على ربط شقيقتهم بكبل كهربائي ، ثم صعقها فيه لمرتين متتاليتين.
كما لقيت امرأة في الثالثة والعشرين من عمرها حتفها بعد ضربها بغاز سفير منزلي على الرأس" و طعنها أكثر من عشر طعنات بأداة حادة في أنحاء مختلفة من جسدها من قبل شقيقيها وذلك في أحد أحياء مدينة حمص بعد زواجها من شخص لم يوافق عليه أهلها , " 22-12-2009 " و بهذا التاريخ نفسه كانت فتاة أخرى تقتل في درعا و لكن هذه المرة على يد والدتها و بمشاركة أربعة من أبنائها فبدلا من أن تكون الأم حضناً للأمان تلجأ إليه الفتاة هربا من ذكور يتربصون بها كانت الأنثى هنا من فتكت بالأنثى دون أن تتحرك لديها مشاعر الأمومة و حس الإنسانية و إنما كان ما تحرك داخلها فقط هو تقاليد بالية و شكوك واهية و مبررات لا تكفي لقتل عصفور . و بعدها بيومين 24 -12 -2009 كانت زهور البالغة من العمر عشرين عاماً ضحية جديدة في حمص لـ"جرائم الشرف" فقد ذبحت على يد شقيقها بعد أن اشتبه بعلاقات غير سوية لها".
و يستمر قتل النساء على أيدي الأشقاء فقد استقبلنا العام الجديد بجريمة جديدة فقد ذبح شاب (30 سنة) أخته (25 سنة) في منزل العائلة في الواحدة ليلا، بعد عودتها إلى بيت أهلها إثر خلاف نشب مع زوجها و دعيت هذه الجريمة بجريمة شرف ! !!حلب في 12-1-2010 .
و لا يقف الأمر عند هذا الحد ... فمع استمرار قتل النساء و بشاعة الأساليب المستخدمة و التستر تحت مظلة الشرف والشك و الشبهة الكافية للقتل ، نجد أن الذكر لم يكتفي بكل ذلك بل راح يبحث عن مبررات جديدة للقتل .. فبعض جرائم الشرف كما يدعون يطالب بها المجتمع , أو الدين , أو فحولة الرجل و شرقيته و لكننا لم نتخيل يوماً أن يصل الأمر إلى السحر فيكون هو من يطالب بالقتل ،و كيف يقدم رجل على قتل زوجته لمجرد أن دجال أمره بذلك !! و هذه موضة جديدة أخذنا نسمع بها منذ فترة قريبة إذ بتاريخ 9-1- 2010 قتل رجل بمنطقة كفرنبل في محافظة إدلب زوجته بأمر من أحد المشعوذين بطعنها عدة طعنات غير قاتلة ما حدا به إلى قتلها خنقا وهذه الحادثة هي السادسة من نوعها .
•حادثة فريدة من نوعها و لعلها الوحيدة حتى الآن :قاضي ينفي وجود الدافع الشريف وراء قتل همجي لفتاة عذراء ...
فقد نشرت مجلة ثرى بتاريخ 7-12-2009 خبر مفاده :
" لم يتردد قاضي التحقيق في محافظة الحسكة الأستاذ سالم الصياح في العمل على إرضاء عقله وضميره إزاء القضية التي ينظر فيها في جريمة قتل الفتاة " ر.ع" من محافظة الحسكة على يد والدها بطريقة همجية عندما قرر انتفاء وجود الدافع الشريف في هذه الجريمة التي هزت حي الكلاسة في محافظة الحسكة نظراً لبشاعتها ودمويتها.
فالأب الذي اعتاد على ضرب زوجته وابنته لم يكن ليقبل فكرة فرار ابنته لساعات قليلة هرباً من معاملته القاسية، فعلى الرغم من فحصها لدى عودتها عدة مرات لدى أطباء نسائية " نساء طبعاً " أكدن له بأنها عذراء، فقد أقدم بعد أيام من عودتها على ضربها بمهدّة حديدية قبل أن يجز عنقها.
خيبة أمل المجرمين انتصار للعدالة
لم يكن هذا المجرم ليرتكب هذه الجريمة لولا اعتقاده الراسخ بأنه قادر على الإستفادة من نصوص ومواد في قانون العقوبات السوري الذي يمنح الدافع الشريف في مثل هذه الجرائم و يُحرص عادة على "تزيينها" بسوار الشرف والعفة كي يتمكن المجرمين من تفادي العقوبة، لكن قاضي التحقيق الأستاذ سالم الصياح كان له رأي مختلف هذه المرة، عندما وجد أن الوالد " المجرم" حضّر لقتل ابنته وكان هادئ البال طيلة عودتها إلى المنزل بعد هربها منه. واستغل الصباح الباكر كون جميع الجوار نياماً حتى يتمكن من الإجهاز على الضحية رغم معرفته أن ابنته عذراء. وتأكد ذلك من خلال الخبرة الطبية الثلاثية التي كشفت على الضحية الأمر الذي دفعه لنفي وجود أي دافع شريف.
خاصة وان باعث الفتاة على الهرب كان سوء المعاملة التي تتلقاها من الوالد نفسه, الأمر الذي يتوجب معه توجيه تهمة القتل العمد عن سبق الإصرار والتصميم.
الاختباء وراء ستار الدافع الشريف ... إلى متى؟؟
تنص المادة " 192 " : إذا تبين للقاضي أن الدافع كان شريفاً قضى بالعقوبات التالية: الاعتقال المؤبد بدلاً من الإعدام، الاعتقال المؤبد أو لخمس عشرة سنة بدلا من الأشغال الشاقة المؤبدة، الاعتقال المؤقت بدلا من الأشغال الشاقة المؤقتة، الحبس البسيط بدلا من الحبس مع التشغيل.. الخ".
ويعتبر الدافع الشريف من بين الأعذار المخففة التي وردت في قانون العقوبات السوري.
•ولم يعرف القانون الدافع الشريف وإنما عرف الدافع بشكل عام في نص المادة 191 من قانون العقوبات على أنه " العلة التي تحمل الفاعل على الفعل أو الغاية القصوى التي يتوخاها". إن قانون العقوبات السوري يريد أن يشَمل الدافع أمرين هما: 1- العلة. 2- الغاية القصوى.
أما العلة فمحملها، انطباع نفسي وهي باعث أو قوة نفسية أو شعور باطني يحمل الإنسان على اقتراف فعل يجرمه القانون وهي عاطفة من تلك العواطف البشرية التي تحرك الإنسان وتدفعه للقيام بعمل ما كالطمع أو الانتقام أو المحافظة على الشرف أو الإيمان بعقيدة.. الخ.
وأما الغاية القصوى: فهي هدف نهائي ذو طبيعة موضوعية يريد الفاعل أن يصل إلى تحقيقها.
لكن متى يكون الدافع شريفاً ومتى يكون دنيئاً؟ هذا ما لم يجيبنا عليه القانون!
فالمادة 192 حددت كيفية تخفيف العقوبة في حال ما إذا كان الدافع شريفاً دون أن تحدد ماهية الدافع الشريف تاركة الأمر لمطلق تقدير المحاكم.
وقد عرفت محكمة النقض السورية الدافع الشريف بأنه: عاطفة نفسية جامحة تسوق الفاعل إلى ارتكاب جريمته تحت تأثير فكرة مقدسة (لديه)..!
وبالعودة إلى النص القانوني فإنه لا يبرر فعل القتل إن قامت به المرأة في حال فاجأت زوجها أو أخاها أو ابنها في وضع جنسي مع امرأة أخرى، فمنذ سنتين حكمت محكمة جنايات دمشق بالسجن اثنتي عشر عاماً على أم قتلت زوجها عندما فوجئت به يغتصب بناتها.
إن قيام شخص ما بقتل شقيقته أو زوجته أو ابنته تحت تأثير العاطفة النفسية الجامحة يراعى في هذه الحالة الدافع "الشريف" في أثناء الحكم عليه، ويخفف الحكم الذي يصدر وفقاً لما تقدم من معطيات.
علماً أن المادة 548 من قانون العقوبات السوري مخالفة لأحكام اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) ومخالفة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وخاصة المواد الأولى والثانية والثالثة والسابعة.
لذا نرى أن موقف قاضي التحقيق الأستاذ سالم الصياح فريد من نوعه و يجب أن يشكل نقطة تحول كبيرة لدى العديد من السادة القضاة من أجل الكف عن اعتماد التفسير التقليدي للدافع الشريف ومنحه لكل من يزين جريمته بأنها دفاع عن الشرف وهي في الوقت عينه رسالة لكل الذين يستسهلون قتل النساء بأن يتوقفوا عن استخدام شماعة الدافع الشريف لتعليق جرائمهم المخزية عليها.
لقد حان الوقت لمنع القتلة من الاختباء وراء هذا الدافع الذي ظاهره شريف وباطنه لا يعرف للشرف معنى.
و أخيرا و ليس أخرا أود أن أذكركم أيها السوريون بأنه جاء في المادة الخامسة والعشرين من دستور الجمهورية العربية السورية الآتي:
" الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم، المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات."
ونصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل فرد الحق في الحياة وفى الحرية وفى سلامة شخصه ويحمي القانون هذه الحقوق، أفلا تشكل جريمة الشرف وفقاً لهذا مخالفة للدستور السوري وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ "
إذن... لما السكوت عليها؟ سؤال أضعه برسم المسؤولين وصناع القرار والقائمين على صياغة القانون. لعل غدنا الآتي لا يجيء محملاً بمثل أمسنا ويومنا، ويطل بوجهه باسماً لا شاحباً لأن نصف المجتمع " المرأة " ما زال يقبع تحت سيف مسلط على عنقه بدافع ما يسمى الشرف .