تلا النائب اللبناني وليد جنبلاط مساء أمس فعل الندامة على كلام «غير لائق وغير منطقي صدر مني في لحظة غضب بحق الرئيس بشار الأسد» في 14 شباط 2007، وتساءل أمام الملايين من مشاهدي برنامج (حوار مفتوح) على قناة الجزيرة الفضائية: هل يمكن للرئيس بشار الأسد تجاوز هذا الأمر وفتح صفحة جديدة؟ معتبراً في الوقت نفسه أن كلامه أمس «كافٍ» لمحو آثار ما تكلم به قبل ثلاث سنوات.
وفي حديثه الذي غاب عنه فعل الاعتذار الواضح والمباشر من الرئيس الأسد ومن الشعب السوري عما بدر منه، لكنه حضّر فيه جلياً نقداً ذاتياً قاسياً بحق نفسه، قال جنبلاط: صدر مني في لحظة غضب كلام غير لائق وغير منطقي وغير مألوف بحق الرئيس بشار الأسد وخارج عن الأدبيات السياسية حتى في المخاصمة، في لحظة من التوتر الداخلي الهائل في لبنان والانقسام الهائل خرجتُ فيها من العام إلى الخاص.
ولخص جنبلاط تلك اللحظة التي مرَّ بها بأنها «لحظة تخلٍ» وهي معروفة لدى شيوخ عقل الطائفة الدرزية بأنها لحظة يفقد فيها المرء السيطرة على نفسه وتقوده لأفعال لا تحمد عقباها.
وتابع جنبلاط متوجهاً بحديثه إلى الرئيس الأسد: من أجل تحصين العلاقة السورية اللبنانية بين الشعبين والدولتين وبين عرب الدروز في لبنان وسورية، هل يمكن تجاوز تلك الصفحة وفتح صفحة جديدة؟
وعما إذا كان هذا الكلام كافياً بالنسبة للقيادة السورية لتجاوز ما قاله في 14 شباط 2007 قال جنبلاط: لا أستطيع الإجابة فمن يجيب هي القيادة السورية، قبل أن يضيف: «أعتقد أنه كلام كاف لتتجاوز القيادة السورية» ما قاله بحقها في السابق.
وأضاف جنبلاط: أقول للقيادة السورية، من أجل المصلحة الوطنية والقومية والتواصل العربي والموضوعي والعلاقات السورية اللبنانية هل يمكن لهم أن يتجاوزوا هذا الأمر؟ مشيراً إلى رغبته في «طي صفحة كاملة سياسية وشخصية اعتبرها مؤلمة».
ونفى جنبلاط ما نشرته صحيفة «الوطن» تجاه التحريض على السوريين قائلاً إنه بعد 15 يوماً من اغتيال الحريري توجه إلى اللبنانيين مطالباً إياهم بعدم الاعتداء على أي سوري في لبنان.
وخاطب جنبلاط الشعب السوري قائلاً: مصيرنا مشترك، نحن شعبان على أرض واحدة في دولتين هما لبنان وسورية، ولابد من علاقات سياسية واقتصادية طبيعية بيننا، كان هذا (العلاقات) موجوداً وسيبقى، لكن مرت فترة تأزم هائلة وأعتقد أننا تجاوزناها.
وعما إذا كان سيزور سورية قريباً قال جنبلاط: لا أستطيع أن أحدد ذلك، القيادة السورية هي من يدرس الأمر، إذا كانت تستطيع أن تتجاوز تلك اللحظة فعندها إذا وجهوا لي دعوة (لزيارة دمشق) فلا مانع لدي.
وسئل جنبلاط إلى أي حد هو مستعد لأن يذهب في علاقته مع دمشق فأجاب: وفق الأطر التي وضعناها مع الرئيس الراحل حافظ الأسد واتفاق الطائف الذي ينص على أنه لا سلم ولا صلح ولا تسوية بين لبنان وإسرائيل إلى أن يصار إلى تحقيق الحل الشامل وعودة اللاجئين الفلسطينيين.
وأضاف جنبلاط: إن أمن لبنان من أمن سورية والعكس صحيح، وما نريده هو علاقات مميزة مع سورية فمصيرنا مشترك ونحن شعبان على أرض واحدة، ولكن هناك دولتان ولابد من قيام علاقات سياسية واقتصادية.
وأشاد جنبلاط بالعلاقة «الشخصية والسياسية الطويلة جداً» التي جمعته بالرئيس الراحل حافظ الأسد وقال: بيننا نضالات طويلة وملاحم طويلة من أجل الحفاظ على عروبة لبنان والتواصل الموضوعي اللبناني السوري في مواجهة إسرائيل. وأكد أنه لم يعد على تواصل مع حكمت الشهابي بعد أن عاد إلى دمشق، وأنه انقطع عن التواصل مع عبد الحليم خدام في مرحلة معينة، معتبراً أنه في لحظة تخلٍ ربما دخل في حسابات مغلوطة.
ورداً على سؤال يتعلق بخياراته المستقبلية قال جنبلاط: حددتُ خياراتي وهي التواصل الموضوعي القومي والوطني بين لبنان وسورية وبين جبل لبنان وجبل العرب، وتنقية العلاقات (السورية اللبنانية) من أجل طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة لبناء علاقات واضحة وصحية بين الدولتين.
وأكد جنبلاط أنه «لا تناقض بين الاستقلال والعلاقة المميزة مع سورية، ولا تناقض بين الاستقلال والمقاومة، ولا تناقض بين الاستقلال والعروبة وفلسطين».
ورداً على سؤال عن موقفه من اعتداء قد تشنه إسرائيل على لبنان قال: كنتُ في كل لحظة من لحظات حياتي مع المقاومة وأنا سأبقى مع خيار المواجهة وخيار المقاومة السياسي والعسكري، هناك عدوان إسرائيل غربي أميركي يأخذ في كل لحظة أشكالاً مختلفة ولابد من الاستمرار في المواجهة.
وتحدث جنبلاط عن التسوية في المنطقة ورأى أن أمامها «أفقاً مسدوداً نتيجة السياسة الأميركية التي وصلت لأفق مسدود في فلسطين وتتخبط في العراق وأفغانستان».
واعتبر جنبلاط إمكانية قيام دولة فلسطينية مستحيلة وقال إن هذا الأمر «هراء بهراء، فلم يبق مجال لإقامة هذه الدولة في القدس والضفة» الغربية.
وبعد أن نبَّه جنبلاط من «مواجهات سياسية ستأتينا وقد تكون عسكرية» طالب المال والنفط العربيين بأن يشاركا في الصد في تلك المواجهة وأن يكونا «عاملاً مهماً كما كان الحال عام 1956 (أثناء العدوان الثلاثي على مصر) وعام 1973 (أثناء حرب تشرين التحريرية) فالنفط العربي هو ملك للجميع».
وفي الشأن الداخلي اللبناني، شدد جنبلاط على ضرورة «الاتفاق على برنامج سياسي للخروج من هذه النتوءات الطائفية والسياسية» ورأى أنه «لا مفر من الحوار» لتحقيق ذلك.
ووصف جنبلاط حزب اللـه بأنه «فريق أساسي في المواجهة» مع إسرائيل وحول علاقته به قال: مررنا بظروف صعبة جداً وتشنج، لكن مرَّ عليها الزمن واستقبلني السيد حسن نصر اللـه وطوينا الصفحة من أجل المستقبل، ومن أجل المواجهات التي قد تأتي علينا وللوصول لحد أدنى من التوافق في الحوار على الدولة التي نريدها أن تحمي الجميع».
وفي أول تعليق على تصريحات جنبلاط قال زعيم تيار التوحيد اللبناني وئام وهاب إن ما عبر عنه جنبلاط من أن تصريحاته قيلت "في لحظة تخل" هي قمة الاعتذار بالنسبة للدروز. واعتبر أن إقرار جنبلاط بخطئه يعني أنه لم يكن مسؤولا عن تصرفاته، واصفا موقف جنبلاط بالشجاع.
ورأى وهاب أنه كان مطلوبا من جنبلاط أن "يعتذر لا أن يتماهى" مع موقف القيادة السورية، مشيرا إلى أنه غير مطلع على تفاصيل ما اتفق عليه جنبلاط مع حزب الله، في تلميح إلى توسط الحزب مع دمشق لاستقبال الزعيم الدرزي وتطبيع العلاقة معه. وأوضح وهاب أن القيادة السورية قدرت موقف جنبلاط إيجابا منذ إعلانه الابتعاد عن 14 آذار يوم 2 أغسطس/آب 2009 واتخاذه موقفا وصفه بالوسطي بين 14 و8 آذار.