قد يكون أبرز ما صدر من دمشق في غمرة نشاطاتها الدبلوماسية المكثفة أمس، هو الكلمة التي نقلتها وكالة الأنباء المحلية «سانا» عن ناطق رئاسي سوري خلال لقاء الرئيس بشار الأسد مع وزير خارجية تركيا أحمد داوود أوغلو، حيث ركزت «سانا» في تغطيتها للقاء على بحث الجانبين ضرورة «استثمار هذه العلاقة المتميزة (بين تركيا وسورية) لإحلال السلام والاستقرار في المنطقة» حيث تم (وهنا المغزى) تأكيد أهمية أن «تأتي الحلول لمشكلات المنطقة من دولها، وليس من الخارج».
إذ إن اللافت في زيارة داوود أوغلو أنها جاءت مع وجود ثلاثة ضيوف على مستوى عال من الأهمية، وهو ما يفسر ربما تأجيل موعد زيارته التي كانت مقررة يوم الجمعة الماضي إلى اليوم، ليكون حاضراً إلى مائدة غداء الرئيس الأسد التي أقامها لرئيس وزراء لبنان سعد الحريري، في الوقت الذي كان داوود أوغلو يربط موعداً مع رئيس الكتلة العراقية الفائزة بالانتخابات إياد علاوي، وذلك بعد أن اجتمع الأخير بكل من الرئيس الأسد وبزعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر الذي يزور دمشق أيضاً منذ يومين.
وجود العنصر التركي في نشاطات دمشق يفهم على أنه لقاء قمة جمع زعماء المنطقة أو من يمثلهم بهدف نسج مستقبلها وإرساء المزيد من عوامل الاستقرار وخصوصاً في ظل العلاقة المميزة التي تربط دمشق بأنقرة ومؤخراً دمشق ببيروت بعد الزيارة الناجحة لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الذي أقام في دمشق يومين اجتمع خلالهما ثلاث مرات مع الرئيس الأسد، ما يجعل منه شريكاً جديداً في بناء مستقبل هذه المنطقة بعيداً عن الضغوطات التي يتعرض لها وكل اللبنانيين.
ويأتي وصول داوود أوغلو مع حضور كل من الصدر وعلاوي في دمشق، بعد زيارة رئيس المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم الشهر الماضي، وهي زيارات غرضها الرئيسي بحث فرص تشكيل الحكومة العراقية في بغداد.
واللافت أن هذه الاتصالات تأتي مع إرسال رئيس وزراء العراق المنتهية ولايته نوري المالكي لمبعوثين ورسائل إلى دمشق تعبر عن «رغبة في تصحيح مسار العلاقات بين دمشق وبغداد» و«نسيان ما مضى والتطلع إلى المستقبل».
وهي رسائل جاءت مع بحث للشؤون العراقية في دمشق ضمن زيارة السيناتور الأميركي جون كيري منذ فترة، وخصوصاً في ضوء ما بدا من برود أميركي نحو دفع حل سريع في العراق استناداً إلى نتائج الانتخابات. ولاحقاً زار مساعد نائب وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان بغداد، وخرج بنتيجة «ضرورة أن تتشكل الحكومة من جميع الأطياف السياسية التي شاركت في العملية الانتخابية»، ليليها سلسلة تحالفات بعضها انفك بعد فترة قصيرة على تشكله، بغرض وضع التصور الحكومي أمام كتلة أمر واقع.
والآن وبعد الزيارة التي يقوم بها الصدر إلى دمشق قادماً من طهران، ومع إعلانه رفض عرض المالكي للتحالف معه في حكومة يرأسها الأخير، مترافقاً مع انفكاك تحالف الحكيم والمالكي، تتجه العناوين نحو تعاون الفئات الثلاث (الصدر، الحكيم، علاوي) بتفويض إقليمي توافق عليه تركيا، وتسايره إيران لتشكيل حكومة بغداد المقبلة.
هل في الأمر مبالغة؟
السؤال يكمن في القدرة على قراءة التطورات الأخيرة، وجمعها مع إخفاقات أطراف محلية عراقية وخارجية بعينها حاولت تشكيل حكومة لون واحد في العراق، أي إنه يمكن البناء على الاستنتاج أن حكومة بغداد المقبلة قد تولد كتحالف من دمشق، ولكن على أن تتشكل في بغداد، وهو ما ركز عليه الصدر في تصريحاته أمس، حين قال معلناً إن دور دول الجوار هو في «تشكيل النصح والمشورة لا التدخل»، وهو ما يجري منذ فترة في العاصمة السورية من محاولة تقريب وجهات النظر بين القادة العراقيين للإسراع في عملية تشكيل الحكومة المنتظرة، حكومة سيترتب على عاتقها تصحيح علاقات العراق مع دول الجوار والسير في منظور تحالفات إستراتيجية مع دول المنطقة وإخراج بغداد من مظلة الاحتلال وإعادة تموضعها في محيطها العربي والشرق أوسطي ليكون لها دور فاعل على الصعد كلها.