مع انضمام كينيا منذ مدة إلى اتفاق عينتبي ارتفع عدد الدول الموقعة على اقتسام مياه النيل إلى خمسة وسط اعتراض شديد من دولتي المصب مصر والسودان لتأثير ذلك على حصتهما من مياه النهر وهما الأكبر وخاصة مصر وكذلك لتأثيره على الاستقرار التاريخي لمياه النهر الاطول في العالم حيث يبلغ طوله 6670 كم و كمية الأمطار التي تهطل على مجراه 2000 مليار متر مكعب سنويا و عدد السكان في حوضه 300 مليون نسمة موزعة على عشرة دول هي مصر والسودان في المصب واثيوبيا واريتريا وكينيا واوغندا وبورندي وتنزانيا وروندا والكونغو في المنابع.
وتبرز المشكلة رغم هذا الغنى المائي المطري في الفاقد الكبير الذي يبلغ1541 مليار متر مكعب في العام نتيجة التبخر والمستنقعات الواسعة ولذلك يأتي النيل في المرتبة السابعة من حيث الحوض الذي يغمره وينتج فقط 1/80 مما ينتجه الامازون الذي يدانيه من حيث الطول وبوضوح اكثر فإن إجمالي العرض المائي حوالي 84 مليار متر مكعب ا لعام بينما الطلب الكلي لدول الحوض منبعا ومصبا يبلغ حوالي 136,40 مليار متر مكعب أي ان هناك عجزا يقدر ب 52,40 مليار في العام.
هنا تستغل هذه الحاجة وهذا العجز من قبل بعض المؤسسات الاقتصادية الدولية ومراكز البحوث والدراسات والجامعات الغربية لزرع مفاهيم مائية جديدة ظهرت بوادرها منذ ثمانينيات القرن الماضي وتقوم على أساس خصخصة المياه وبورصات وأسواق للمياه وبالتالي اما بيع او مبادلة المياه او كلتاهما وبات مايعرف الان بأسواق المياه ، الأمر الذي سيجعل المياه سلعة للشراء او المقايضة وبالنسبة للنيل يعني تدويل مياه النيل وإخراجها من المشتركات السابقة وجملة ما استقرت عليه من أعراف واتفاقيات.
ان المتضرر الاكبر من هذه المفاهيم الجديدة هما دولتا المصب وعلى وجه الخصوص كما اشرنا سابقا مصر كون مصر الوحيدة التي لاتعتمد على مياه الأمطار شبه المعدومة لديها لان اعتمادها الكلي على مياه النيل ولذلك لاغرو ان تبقى مقولة المؤرخ اليوناني هيردوت"مصر هبة النيل " حقيقة ثابتة على مدار العصور يضاف إلى ذلك انها الدولة الاكبر في عدد السكان من بين دول حوض النيل والمستهلك الاكبر لمعظم مياهه وأي تطبيق للمفاهيم المشار إليها سابقا سيمس مصر في الصميم وهذا ما استدعى اعتبار مياه النيل في صلب الامن القومي المصري منذ امد بعيد وقد يقتضي شن الحروب اذا ماتم المساس به في أي وقت وفعلا هددت مصر كل من يمس امنها المائي سابقا ولاحقا على لسان فاروق وعبد الناصر والسادات ومبارك بأقوى العبارات.
واليوم يتجدد الخطر على مصر اولا وعلى السودان ثانيا بإثارة الموضوع والتوقيع على اتفاقية اقتسام المباه من قبل خمس دول في المنابع ويبدو هذا الخطر في بدايته ومرشح للتفاقم في المدى المنظور وخاصة إذا علمنا ان اسرئيل دخلت على الخط منذ زمن بعيد فحققت وجودا مرئيا وغير مرئي مع كثير من دول الحوض وتمكنت من الـتأثير في المؤسسات والصناديق الدولية ذات الصلة بمشروعات دول الحوض التنموية اقتصاديا وزراعيا وهي تأمل ان يكون لها موطئ قدم وتشتري او تستأجر كمبات من مياه النيل بأي أسلوب لإيصالها إلى صحراء النقب واستقدام الآلاف من اليهود وبالنهاية تصبح اسرائيل دولة من دول حوض النيل.
نشير هنا إلى ان التحريض الاسرائيلي لدول المنبع لم يتوقف من اجل اقتسام النيل ولقد جاءت زيارة وزير الخارجية الاسرائيلي ليبرمان لاثيوبيا مطلع هذا العام من اجل هذا الغرض فكانت اديس ابابا اول الداعين إلى اتفاق "عينتيبي " وأول الموقعين عليه وكان تصريح رئيس وزراء اثيوبيا "ميلس زيناوي" الاخير بمثابة الطلقة الاولى لإعلان حروب المستقبل على مياه النيل لأن 85 بالمئة من المياه التي تصل إلى السد العالي من الهضبة الاثيوبية والواضح في الأزمة الحالية ان تصريحات مسؤولي الدول الخمس الموقعة لاتدعو إلى التنصل من الاتفاقيات السابقة وخاصة اتفاقية عام 1929 وعام1959 فقط وإنما تنطلق من اعتبار ان مطالبتها باقتسام المياه مسألة كرامة وطنية قبل ان تكون حاجة او احتياج للمياه ، لذلك من الصعب التكهن بتداعيات ما سوف ينجم عن ازمة مياه النيل هذه المرة التي هدأ ضجيجها مؤقتا لكن هل يمكن القول انها عبرت بسلام ؟؟؟