«سائق الوزير» مهنة من الوظائف الخدمية المرغوبة في القطاع الحكومي، إذ يعدها البعض سبباً لكسب مادي وفير، أو يعتقدون أنها توفر برستيجاً اجتماعياً، بحيث يتميز ممتهنها عن سائقي المبيت على مبدأ «قل لي مع من تعمل أقل لك من أنت». وخلف كل مهنة مواطن تتصارع في رأسه احتياجاته الحياتية التي تولد رغبته في المشاركة بالتغيير، حتى لو اقتصر الأمر على الإدلاء برأيه وهكذا كان لبعض سائقي الوزراء وجهة نظر عكست حال وأمور الوزارة. وبما أن الغاية من تشكيل الوزارات تكمن في خدمة المواطن وتأمين راحته النفسية والصحية، قصدنا وزارة الصحة على مبدأ «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى».
داء المواطن جيوبه الفارغة
سائق وزير الصحة محمد سعيد شحيبر يقول: «عاصرت ثلاثة وزراء للصحة، وخلال تلك السنوات وجدت بأن العمل مع الوزراء ليس بالأمر السهل فهو يتطلب الكثير من المسؤولية عدا كونه عملاً غير ملزم بوقت وبحالة استنفار دائم».
ويتحدث عن حال الخدمات الصحية وتكاليفها بالقول: «الطبابة أصبحت مكلفة بشكل كبير في الآونة الأخيرة، حيث ارتفعت تسعيرة معاينة الطبيب، وأصبح المواطن يدعو لله بألا يصيبه أي داء، كما أن سعر الدواء لا يتناسب مع أصحاب الدخل المحدود، ما شكل عبئاً على نفسية وصحة المواطن» مؤكداً أنه علينا ألا نغفل المشافي الحكومية المجانية التي شيدتها الحكومة والتي نرغب بأن تزداد بشكل يستوعب الجميع دون أن تقتصر على اختصاصات دون أخرى، أما المشافي الخاصة فتسودها سياسة الإكراميات، ويمثل على ذلك بالقول: أحياناً عامل التنظيفات ضمن المشافي الخاصة لا يهتم بغرفة المريض إن لم يعطه إكرامية 200 ليرة، عداً التكاليف الباهظة في المشافي الخاصة، لافتاً إلى أنه لم يصدر قرار الضمان الصحي لموظفي الدولة وهذا أمر يجب الإسراع به، فصحة المواطن أهم من أي شيء آخر.
وكأي مركز خدمي حكومي لا يخلو من التسيب والإهمال، يتحدث شحيبر عن المستوصفات قائلاً: «من المفترض تشديد الرقابة على بعض المستوصفات، حيث يقوم بعض الأشخاص العاملين فيها بأخذ الدواء لهم، وحين يقصدهم شخص ما يقولون إن كمية الدواء غير كافية لذلك نفدت وهذا حال يجب عدم التساهل به» ولا يخفي مأخذاً على بعض الأطباء والممرضين غير الجديرين بمهنتهم، وهو تعامل الكثيرين منهم بتعجرف غير مبرر مع المرضى، رغم أن الطب مهنة إنسانية قبل أي شيء، ويروي حادثة طريفة تحكي عن رجل فقير ذهب ليشتري دواء بسعر غال، حيث نصحه الطبيب بأن يمرض مرضاً تتناسب تكلفة علاجه مع أحواله المادية.
وبانتظار الضمان الصحي لابد من التساؤل عن وضع المكان الذي يقضي فيه المواطن يومه بعد انتهائه من عمله والذي يسمى لدى الأغلبية «علبة كبريت».
السكافي حافي
سائق وزير الإسكان والتعمير نضال تميم يقول: عملي كسائق للوزير يختلف بشكل حتمي عن عمل الموظفين في الوزارة، فهو عمل متعب لكن ليس بحجم التعب النفسي الذي أجده في منزلي المبني في منطقة مخالفات، والذي لا يتسع لأكثر من شخصين وأنا لدي ستة أولاد فرغم عملي في وزارة الإسكان والتعمير فإني لا أمتلك منزلاً يتسع لي ولعائلتي. ومن هنا ينظر إلى أزمة السكن بواقعية مجردة فهو يعايش الأزمة بكل أبعادها، ولكن لديه أمل كأي موظف عامل في الدولة بالحصول على شقة سكنية خلال فترة قصيرة لا تتجاوز 7 سنوات كعلاج تخديري مؤقت لأزمة السكن.
أما فيما يخص السكن العشوائي والمعروف بالمخالفات فيرى أن تنظيمه يحتاج لفانوس سحري، وأن المفاتيح التي تحل المشكلة أصبحت في يد الله والحكومة، مقترحاً على الدولة منح أصحاب هذه المناطق سكناً بديلاً ريثما يتم تنظيمها، وتقسيط ثمن المنازل بشكل يتناسب مع دخل المواطنين، فمسبب الأزمة السكنية هو الوقت ليس أكثر.
وبما أن العاصمة أصبحت كتلة من الاسمنت نتيجة الانفجار السكاني ما شكل ازدحاماً في المواصلات والأبنية ومن مظاهر السكن العشوائي قلة النظافة وبما أن النظافة من الإيمان والقذارة من يد الإنسان تم إحداث وزارة للبيئة هدفها توعية المواطنين ومساعدتهم للحفاظ على نظافة أحيائهم والمنتزهات التي يقصدونها هرباً من الاختناق السكني.
بردى ينتعش قريباً
سائق وزيرة البيئة «محمد نور شعبان» يعمل سائقاً في الوزارة منذ سنة و3 أشهر لكون الوزارة مستجدة على البلد، وفي حديثه عن حال البيئة ونظافة الطرقات يقول: ينقص الكثيرون الوعي للتعامل مع محيطه في الشارع وأماكن العمل والمنتزهات، ولكن حتى نرى بلداً نظيفاً، فلا يكفي أن تقوم الوزارة بحملات تنظيف إنما يجب أن يكون لدى المواطن شعور بالمسؤولية يبدأ من الاهتمام بنظافة منزله وينتهي بالحفاظ على أثاث ونظافة الأماكن العامة، ومن هنا يبرز دور الإعلام بتوعية وتثقيف الناس حول مخاطر التلوث وضرورة اعتبار المصلحة العامة كالشخصية تماماً. مبيناً أن الوزارة قامت بعدة مشاريع لإنقاذ البيئة مثل حمايتها من التصحر ومراقبة المخلفات الناتجة عن المنشآت الصناعية وطرق معالجتها وتنقية الهواء والمياه، إضافة إلى مشروع لإزالة الأوساخ من نهر بردى.
ورغم كل هذه الأزمات والاختناقات إلا أن التطور التكنولوجي لايعرف أزمة سكنية أو صحية ولا حتى بيئية فهو أمر لابد منه إلا أن حاله وللأسف ليس بأفضل من غيره فهو الآخر يعاني من أزمة سرعة في الاتصال بمزود الانترنت وحجب لبعض المواقع وشبكات هاتفية خارج التغطية.
يوجد «إن» بالموضوع
سائق وزير الاتصالات والتقانة «حماد البسطي» يقول: «مضى على وجودي في الوظيفة 35 عاماً عاصرت خلالها وزيرين، وشهدت تلك السنوات الكثير من التطورات والمتغيرات، وخاصةً على صعيد التطور التكنولوجي لكن وللأسف فالمحبة بين الناس تغيرت وعجزت عن مواكبة التطور، والمضحك أن وسائل الاتصال تعددت لكن لا أحد يتصل بالآخر إلا للمصلحة أو الضرورة الشخصية، ومع ذلك جميعنا يستخدم الهواتف النقالة لكونها أصبحت من ضروريات الحياة إذ لم تعد رفاهية رغم تكلفتها الباهظة لكن ما علينا إلا أن نصبر. وفيما يخص الإنترنت والمواقع الإلكترونية يقول البسطي: «منذ شهرين أدخلت الإنترنت إلى منزلي، وأنا من مؤيدي حجب المواقع الإلكترونية التي فيها شُبه معينة، فالدولة حينما تحجب موقعاً ليس عن عبث، وإنما لأن هناك «إنّ» في الموضوع.
وأضاف: سمعت بأن اليوتيوب والفيس بوك منعا في سورية لكونهم مواقع إباحية، ولكن يوجد العديد من المواقع تعرض ذات المحتوى، إذاً فلم الإصرار على هذين الموقعين تحديداً؟ لافتاً إلى أن الفساد طال كل شيء، فحتى أفلام الكرتون لم تعد تخل من بعض المشاهد الإباحية، ومن هنا يشدد على أهمية الرقابة من الأهل لأطفالهم أثناء استخدامهم لشبكة الإنترنت، دون أن يمانع من الاستغناء عن الإنترنت في منزله بشكل نهائي في حال فاقت سلبياته إيجابياته.
وبين أزمة السكن وغلاء الدواء تأتي الصناعة الوطنية ذات النخب الثالث والرابع رحمةً لأصحاب الدخل المحدود لكن يبقى السؤال في حال زاد دخل المواطن فهل سيغير اتجاهه الاستهلاكي للمنتجات الوطنية؟
المنتجات الأجنبية المستوردة صناعة وطنية
يقول سائق وزير الصناعة نبيل القوتلي: «بحكم عملي في الدولة أشجع المنتج الوطني، والسبب الرئيسي لاستهلاكه مرهون بالدخل الشهري، إضافة لخلو القطاع الصناعي العام من التزييف، لكن في المقابل لا يتردد «القوتلي» في استهلاك المنتج الأجنبي في حال تضاعف مدخوله الشهري.
المنتجات الأجنبية المستوردة محلية الصنع
وهنا يوضح مرافق وزير الصناعة يامن ونوس، كيفية التعامل مع الصناعة الوطنية قائلاً: «إن معظم المنتجات الأجنبية التي نستوردها صناعة سورية، حيث يضطر الصناعي السوري مثلاً إلى وضع عبارة «إن هذه الألبسة صناعة أجنبية» كي يبيعها، وهذا سببه عدم ثقة المواطن السوري بالمنتج المحلي، فالأسواق المحلية لا تعرض سوى المنتجات الوطنية ذات النخب الثالث والرابع، ومن هنا فإن أول ما يبحث عنه المواطن السوري هو المنتج الأجنبي».
ويرى ونوس أن الصناعي السوري خاسر، في حال عرض بضاعته ذات النخب الأول في الأسواق فأسعارها لا تتناسب مع دخل الفرد وتبقى المعضلة غياب الثقة بين المواطن وصناعته المحلية، وبهذا تبقى المنتجات ذات النخب الثالث والرابع، الأولى لدى مشجعيها من أصحاب الدخل المحدود.
حاولنا تسليط الضوء على أزمة المواصلات التي يعيشها المواطن كي نضيفها إلى مجمل تلك الأزمات إلا أن سائق وزير النقل رفض التحدث إلينا قائلاً: «أعمل حسب التوجيهات» أما سائق وزيرة الاقتصاد والتجارة فقد كان مشغولاً في كل مرة تصادف أنه خارج من عمله.
ويبقى السؤال: لم حين نتحدث إلى مسؤول ما، نصل معه لنتيجة أن البلد لا يعاني من أية أزمات؟
سائق بمنصب مسؤول
لدى طرح عبارة «لو كنت مسؤولاً» عن سائقي الوزارات الذين التقيناهم، أفادنا سائق وزير الصحة محمد سعيد شحيبر بأن القرار الذي يتخذه هو «جعل الطبابة والأدوية مجانية للفقراء وأصحاب الدخل المحدود».
وقال سائق وزير الاتصالات والتقانة حماد البسطي: «قراري هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب إذ يرى أن هناك بعض الأشخاص يديرون وظائف غير جديرين بها لقلة كفاءتهم».
وبيّن سائق وزير الإسكان والتعمير نضال تميم أن الإجراء الذي يتخذه هو «الإسراع في تشييد أبنية للعاملين في الدولة».
ولفت سائق وزيرة البيئة محمد نور شعبان إلى أن القرار الذي يتخذه هو «العمل على تنقية الهواء والمياه، إضافة لتحسين وضعه المعيشي وتأمين احتياجاته الحياتية».
وختاماً ورغم اختلاف إدلاءات كل سائق تبعاً لوزارته، إلا أن ما جمع بينهم هو التأكيد أن حالهم شبيه بأي موظف لم يحصل على مركز إداري أو مالي مهم في هذا البلد، لكنهم وكما يقول المثل الشعبي «مضروبون بحجر كبير» لقربهم من الوزراء، ولكون المفهوم السائد أن حاجب الأمير أمير