صدى سورية: «دست» السياسة اللبنانية كان ينقصها «بيتنجانة» تصريحات عادل إمام حتى يكتمل النقل بالزعرور. ربما من حق نجم كبير مثله وسفير في الأمم المتحدة انتقاد الأوضاع السياسية العربية عموماً, واتخاذ الموقف الذي يريده, كما من حقه إظهار الولاء الكامل والتام لشخص رئيس بلاده, أو حتى أي زعيم هو معجب به, لكن ليس من حقه السخرية من التركيبة السياسية اللبنانية, أو أي تركيبة في أي بلد عربي آخر, طالما أن التركيبة السياسية في بلده ليست أفضل, فهذه التركيبة التي ننتقدها ونرفضها في لبنان أتاحت وجوداً دائماً للمقاومة على أرضه, ليس حزب الله فقط, بل ما سبقه وما واكبه من حركات كان لبنان جبهتها الأمامية المتقدة, فكان شوكة في حلق إسرائيل في وقت كان الأشقاء العرب يتسابقون على هبوط درجات السلام.
المقاومة في لبنان «التعددي» حققت عبر تاريخها ما لم تحققه جيوش العرب النظامية, وحررت بالقوة جنوبه, وصمدت في حرب تموز وتحملت ما لا يطيق بلد عربي تحمله, بينما رغم كل ما قيل ويقال, تحمل لبنان كل لبنان ما أصابه من تقتيل وتدمير. فبأي وجه يسمح فنان بحجم عادل إمام ومكانته لنفسه الاستخفاف بلبنان والسخرية من تركيبته السياسية, خلال برنامج «واحد من الناس» على قناة €دريم 2€ وقوله: «هناك شيعة في الجنوب, وجماعة مارون وقلّة من السنّة في بيروت!!».
لا أحد ينكر علل التركيبة الطائفية في أي مجتمع, لكن أياً من الدول العربية أفضل حالاً من لبنان, أو أنه لا يعاني من مشاكل داخلية مستعصية؟ على الأقل في لبنان ليس مسكوتاً عنها, والتقاسم والتحاصص معلن عنهما, وهما بشكل ما من الأشكال قائمان على اعتراف الواحد بالآخر, في حين أن بلداناً عربية أخرى تنكر وجود طوائف دينية غير الأكثرية رغم عراقة وجودها, وعادل إمام نفسه يفخر بفيلمه الجديد «حسن ومرقص» الذي تناول مشكلة الأقباط في مصر, فكيف يرى القذى في العين اللبنانية ولا يرى البد في عيون من لا يوفرون فرصة لاستخدام لبنان وأرضه للإمتاع والمؤانسة, وأيضاً للتآمر والاصطياد في المياه العكرة.
ومع ذلك, ربما ما قاله إمام عن التركيبة السياسية يمكن ابتلاعه أو التغاضي عنه لأن دريئة السياسة اللبنانية واسعة, لكن ما يصعب قبوله استهزاءه بالنصر «الذي ارتكز على مبدأ الصمود بينما الأطفال يقطعون ويقتلون والناس يهجّرون», واتهامه كل قادة المقاومة بأنهم رجال «السويتات» الفاخرة, يستجمون ويستحمون في أحواض «الجاكوزي».
استهان إمام, وهو الفنان الذي عرف بأدواره الممجدة للمقاومة والمناصرة لقضية فلسطين والمعادية لإسرائيل, بقادة المقاومة, وكأنه لم يسمع بوقائع حرب تموز, وليس لديه فكرة عن الإجراءات الأمنية المعقدة والصعبة لتنقلات القادة في أرض المعركة, كما لم يشاهد فظائع العدوان الاسرائيلي على الجنوب, ومن ثم على غزة, ولم يشاهد أشلاء شهداء المقاومة من القياديين, وقد هدمت بيوتهم على رؤوسهم مع زوجاتهم وأطفالهم, وعلى سبيل المثال لا الحصر, لا بد من سؤاله هل كان الوزير القيادي سعيد صيام حين أصابته القذائف الإسرائيلية الغادرة, غارقا مثله في العسل, أو يمثّل رغم ترهله دور دنجوان يتظارف في تقبيل صبية بعمر أحفاده؟
حقاً, إذا لم تستح فقل ما شئت, لكن لا تسخر ممن سالت وتسيل دماؤهم على ارض فلسطين ولبنان لأن عيون بعض الأنظمة عاجزة عن مقاومة المخرز الأميركي الصهيوني, ولا يمكنها مد المقاومة بصواريخ متطورة قادرة على مواجهة إسرائيل بدل الصواريخ البدائية التي تصنع في «مشاغل النجارة» والتي سمح إمام لنفسه الاستهزاء بها وبصناعها, مسخفاً تحديهم وهم العزل لجبروت السلاح الإسرائيلي الفتاك.
ما أمرّ كلام «الزعيم» في هجومه على حزب الله وقوله «ليس مسموحاً أن تفتح الحدود المصرية لتهريب السلاح إلى الفلسطينيين, ولا يمكن لأحد أن يتخطّى الخطوط الحمر لاختراق أمن مصر سواء من أي حزب أو جهة كانت, كأنه ليس «واحداً من الناس» ناس مصر الذين خرجوا إلى الشوارع يطالبون قيادتها بفتح المعابر أمام غزة المحاصرة, أو كأننا بتاريخه الفني, أو على الأقل فيلمه السفارة في العمارة لم نكن نشاهد سوى مزايدة في بازار سياحي لتوزيع أوسمة الوطنية والعروبة!!... أو أن أمن مصر جزء من أمن إسرائيل... ليأتي اليوم ليدافع عن اتفاقية كامب ديفيد والتطبيع؟!وليقول بكل أسف: «إنّ المصريين هم وحدهم مَن قاتلوا جيشاً بجيش وانتصروا واستردّوا الأرض كاملة!!».
مصر وهو يعرف لم تكن وحدها في حرب تشرين, ولم تسترد أرضها كاملة بالحرب, وإنما الحرب ساعدتها على استرداد ما بقي من خلال عملية سلام منفردة أخرجتها من السرب العربي, كونها حققت لإسرائيل بغيتها في تفكيك القضية العربية, وتجزئة السلام. هذا لم يلحظه إمام الذي لم يتحرج من إظهار إعجابه أو خشيته من إسرائيل كقوة كبرى «تعرف ماذا تريد وكيف تحقّق أهدافها». قوة إسرائيل أمر معروف, لكن ليس لذكائها بل لأنها مدعومة دولياً, ولو أن المجتمع الدولي كان يتمتع بشيء من العدل لا العدل كله في موقفه من القضية العربية, ما ضربت عرض الحائط بالشرعية الدولية وما امتلكت وحدها سلاحاً نووياً يهدد أمن المنطقة كلها, وما تجرأت على استعمال الأسلحة المحظورة دولياً... لذا فأي كلام عن قوة إسرائيل وضعف المقاومة كلام غير دقيق, لأن المقاومة لا تواجه إسرائيل وحدها, وإنما هي وخلفها اميركا واوروبا وحرب تموز ومن ثم العدوان على غزة قدما نموذجاً صارخاً لاختلال موازين القوة, بمعنى الانحياز والتآمر الدولي.
ما قاله ليس جديداً, لكن الجديد أن يقوله فنان يدعي الالتزام, وهو لم يقله إلا للدفاع عن التوجهات السياسية للقيادة المصرية, وكأنه أداة دعائية, كان من الأفضل له ولتاريخه تجنب الانزلاق إلى الزواريب الموحلة, فحب شخص الرئيس أو الاعجاب بقيادات بلده لا يعني أبداً الانجرار إلى موقع المروج والمبرر لسياسات تتغير بتغير اتجاه الرياح الدولية... حين لا يبقى لمن خسر نفسه شيئاً يربح .
سعاد جروس * الكفاح العربي