جاء خطاب نتنياهو الرافض للسلام رغم موافقة العرب والأميركان ليذكرني بأحد أصدقائنا في المرحلة الجامعية الذي كان يؤكد لنا في كل مرّة نشاهده فيها أنه سيتزوج في نهاية الصيف إحدى زميلاتنا التي كان يحبها عن بعد دون أن يجرؤ على الحديث معها أو الاقتراب منها!! وعندما كنّا نسأله إن كان قد تحدث مع الفتاة حول هذا الموضوع أو نال موافقة أهلها على الزواج كان يجيبنا بالنفي. لكنه يؤكد في ذات الوقت أنه هو وأهله موافقون وأن أقاربه المغتربين الذين سيأتون بالصيف لن يعارضوا أبداً!!
ويبدو أن هذا هو حالنا مع عملية السلام والصراع العربي الإسرائيلي فبعد أن ازدحمت منطقتنا في الفترة الماضية بالعديد من المؤشرات التي كانت تنبئ بحدوث تغيير ما على صعيد عملية السلام في الشرق الأوسط لجهة إنهاء هذا الصراع الأقدم والأكثر كلفةً ومأساوية على كافة الأصعدة والمستويات، جاء خطاب بنيامين نتنياهو ليذكر الجميع أنه للمضي قدماً بعملية سلام حقيقية والوصول إلى نتائج مثمرة لا يكفي أن يوافق العرب، ومهما بالغوا في التنازلات، ولا يكفي أيضاً أن تتحمس أميركا، ومهما أفرطت في الخطابات والمبادرات، ما دامت إسرائيل غير موافقة على مبدأ السلام ومنطقه وهو ما كشفه خطاب نتنياهو الذي تم الترويج له باعتبار أنه سيكشف عن الرؤية الإسرائيلية للسلام مع العرب فإذ به يتضمن الشروط الإسرائيلية لفرض الاستسلام على العرب الذين بات عليهم أن يعترفوا بيهودية الكيان الإسرائيلي ويتنازلوا مسبقاً عن حق العودة ويقبلوا مبدأ التوطين ويقروا بشرعية الاستيطان ويتخلوا عن مجرد الحلم بالقدس ويباشروا التطبيع الفوري مع إسرائيل التي يمكن أن تنظر بعدئذ بالسماح بإنشاء «مستوطنة» فلسطينية بعد أن قيدها نتنياهو بشروط تجعلها بعيدة كل البعد عن مفهوم الدولة أو حتى شبه الدولة باعتبار أنه ينبغي أن تكون منزوعة السلاح بشكل دائم وبلا جيش ولا سيطرة على المجال الجوي مع الخضوع لرقابة فعالة ودائمة لضمان عدم دخول الأسلحة إلى أراضيها فضلاً عن حظر الدخول في اتفاقات عسكرية!!!
علماً أن الخطورة في خطاب نتنياهو لا تتوقف فقط على مضمونه وإنما تتجلى في السيناريو الذي سيأتي بعده. فمجرد قبول نتنياهو لمبدأ حل الدولتين (والمقصود بذلك الدولة الإسرائيلية القوية والمسيطرة من جهة، والكيان العليل المشوّه الذي أطلق عليه مجازاً اسم الدولة الفلسطينية من جهة أخرى) سيعتبره البعض، من خارج الوطن العربي ومن داخله أيضاً، خطوة إيجابية إسرائيلية لا بد أن نقابلها بخطوة مماثلة!! وسُيطلب منّا أن نتجاهل كل السلبيات التي تضمنها خطابه ونركّز فقط على عبارة «الدولة الفلسطينية» ونفرح بها، ونقدّم ما يشجع الطرف الآخر على الاستمرار بطرح أفكار ومبادرات كهذه!! علماً أن الوسطاء والمفاوضين لن يفرضوا على العرب نوعية التنازل المطلوب تقديمه تشجيعاً لنتنياهو وإنما سيكون لنا حق اختيار واحدة أو أكثر من القائمة التي حددها نتنياهو نفسه بخطابه.. أي الإقرار بيهودية الدولة، إسقاط حق العودة، التخلي عن القدس، بدء التطبيع!! وسيكون للعرب مطلق الحرية والديمقراطية في اختيار ما يريدون من هذه القائمة!!
ولن يكون هذا بطبيعة الحال هو السيناريو الأخير لأن الخطوة ما بعد القادمة وبعد أن يقدّم العرب، للمرّة الألف، ما يثبت حسن نيتهم عبر المزيد من التنازلات ستكون هي سقوط الحكومة الإسرائيلية بسبب عدم اتفاقها على مبدأ السلام واعتبار أن نتنياهو قد بالغ في سخائه مع العرب وأفرط في تقديم التنازلات لهم!! وستأتي بعدها حكومة إسرائيلية جديدة ستطلب من العرب مجدداً المزيد من التنازلات لإثبات حسن نيتهم فإن أسقطنا حق العودة وبدأنا التطبيع لأجل نتنياهو فسيكون علينا التخلي عن القدس وكل أراضي الـ1967 لأجل تشجيع خلفه.. وربما سيكون علينا تقديم أراض إضافية والتخلي عن عواصم عربية جديدة لأجل إقناع من سيخلف خلفه بأننا جادون بالسلام وراغبون فيه!!
علماً أن هذا السيناريو ليس خيالياً رغم قسوته ويكفي أن نراجع المواقف العربية والتنازلات المستمرة منذ عام 1948 حتى الآن!!
لذلك فإن المطلوب الآن عربياً للرد على خطاب أوباما، اللطيف في بعض عباراته والقاسي في كل مضمونه، وكذلك شروط الاستسلام التي عرضها نتنياهو، هو موقف عربي حاسم وواضح وموحد يعيد التمسك ليس بالمبادرة العربية وإنما بقرار التقسيم 181 وقرار حق العودة 194 والقرار 242 القاضي بالانسحاب من كل الأراضي المحتلة في عام 1967. فإذا كانت المبادرة العربية للسلام والتي أعطت الإسرائيليين أكثر مما نصت عليه القرارات الدولية السابقة وجسدت أقصى ما كان يمكن للعرب أن يقدموه من تنازلات لم ترض حتى أوباما الذي اعتبرها بدايةً وليست نهاية فإن على العرب أن يرفعوا سقفهم التفاوضي كما فعل نتنياهو لتكون مرجعيتهم هي القرارات الدولية التي ليس لهم التفاوض عليها أو التخلي عنها وفق آلية العمل في الأمم المتحدة.
والأهم هو أنه يتعين على العرب لمواجهة هذه المرحلة اللينة في مضمونها والقاسية في طروحاتها أن يبادروا لإنهاء مهزلة الانقسام الفلسطيني والجفاء العربي الذي يذكرنا بحال فلاسفة روما الذين تركوا مدينتهم تحترق، بينما هم يتجادلون حول جنس الملائكة إن كانت ذكراً أم أنثى!! وهذا هو حال الفلسطينيين والعرب مشغولون بتوصيف ما جرى في غزة هل هو ثورة أم انقلاب..؟ وبتكييف وضع المقاومة هل هي شرعية أم لا؟! وبالتسابق لنيل شرف استضافة أوباما في عواصمنا أو الحصول على موعد قريب لزيارة البيت الأبيض الذي قال ما عنده وكذلك فعل الإسرائيليون، بعد خطاب نتنياهو، وبات يتعين الآن على العرب أن يقولوا كلمتهم التي إن لم تكن واضحة، وحاسمة، وقوية فسيكون علينا عندئذ أن نصمت إلى الأبد.
د. ابراهيم دراجي