لعله من نافلة القول بأن من حق أولياء الأمور والقائمين بشؤون الرعية أن يتحروا (ما أتيح لهم ) تحقيق العدالة والتوازن في توزيع ثروات الأمة ومستحقات الجماهير. بل لعل ذلك هو الأساس في قيام أي عقدٍ اجتماعي يؤسس لدولة مؤسسات تحوز شرعية شعبها وثقته.
ولكن ما ليس من (نافلة القول) أن يتحول هذا التحري إلى تأزيمٍ نفسي لأفراد المجتمع يضعهم في خانة المشكوك بصدقيتهم حتى إشعارٍ آخر .
فالآلية المبتدعة التي استحدثتها الحكومة لتوزيع بدل المازوت على المواطنين والتي تم تبنيها على خلفية تجربةٍ سابقة لتوزيع دفاتر المازوت أثبتت عدم جدواها في إيصال الدعم إلى مستحقيه , بل وعدم مناعتها ضد الأفكار الشيطانية في استغلالها.
أقول .. إن هذه الآلية الجديدة قد خلقت أزمة نفسية قلَّ نظيرها في العلاقة بين الحكومة والمواطنين, بل لعلها أسست لسابقةٍ لا يمكن تجاهل أثرها في المدى المنظور .
فبعد شدٍّ وجذب طال أمده في قاعات وأروقة مجلس الشعب وتكاثرت فيه الإشاعات والتأويلات , استقر أمر ممثلينا على أن يتم توزيع بدل مالي بقيمة عشرة آلاف ليرة سورية على كافة المواطنين / جميـــل / الذين تتوافر فيهم شروط معينة / حلو/
أو بالأحرى الذين لا تتوافر فيهم شروط معينة / !!! ؟؟ / .
وما كاد الخبر يشيع بين المواطنين حتى بدأت قرائحهم المبدعة تجهد نفسها في تحديد تلك الشروط وتصنيفها وتبويبها لتقرير من سيحصل على (الجائزة), ممن سيكون نصيبه ( في الجنة ).
فمن قائلٍ بأن هذا الاستحقاق لن يستفيد منه إلا الموظفون في دوائر الدولة ومؤسساتها, ومجيبٍ بأن الموظف هو محظوظ هذا الزمن وإن كان من مستحق فهو من لا يضمن دخلاً شهرياً يبني عليه أحلام الاستقرار والكفاية , ليتنطع آخر بأن الجميع هم أبناء الوطن ويحق لهم جميعاً أن يجنوا ثمار كرمه ونجدته ...
كل ذلك والبرد والمازوت مازالا خارج الصورة , فالعشرة آلاف ليرة قد فرضت نفسها وبقوة على حوار الطرشان الدائر بين الناس .
المهم أن جهينة لم تتأخر في تعميم خبرها اليقين والذي أطاح بتنظيرات قارئي الطالع والنجوم وأصحاب الآراء الواقعية في التوزيع الأصلح للثروة الوطنية .
وكان الخبر بأن يتم توزيع العشرة آلاف ( باوند ) وكما ذكر سابقاً على المواطنين وعلى دفعتين مع الراتب الشهري بالنسبة للموظفين , أو بشكل شيكان يصرفهما المستفيد على فترتين بالنسبة لغير الموظفين .
ولكن ..- وهنا مربط الفرس- فقد اشتُرطَ بأن يقوم المواطنون بتوقيع تعهدٍ يعلنون فيه تحقيقهم لشروطٍ معينةٍ يتم ذكرها في متن هذا التعهد , وهذا التعهد مع ( البصمة ) هو الكفيل بالحصول على ثمن عدو الشتاء الذي لا يميز بين المواطنين بمجمل الأحوال.
وهنا تنتهي المرحلة الأولى من الأزمة لتبدأ مرحلتها الثانية بتأويلات وتوقعات جديدة عما سيحتويه هذا التعهد من شروط.
لكن الأمر لم يطل أيضاً , إذ سرعان ما تم نشر مضمون هذا التعهد أو قل انتشاره بين الناس ليتاح لهم فرصة معقولة لمقارنة أنفسهم بمواطن هذا التعهد المطلوب دعمه ومساعدته على تجاوز هذا الشتاء الغريب .
ولدى الاطلاع على هذا التعهد بمجمله والشروط الواردة فيه بشكلٍ خاص نكون قد دخلنا إلى المرحلة الثالثة من أزمتنا النفسية المواطنية .
فقد بدأ التعهد بصيغة قانونية يقوم فيها المتعهِد بكتابة بياناته الشخصية والتي لن تستهلك منه إلا حبر القلم الذي يكتب به. ومن ثم يذكر المتعهد ( تعهده) بتحقيق شروطٍ معينة تخوله الحصول على البدل النقدي , وأول هذه الشروط وكما هو متوقع أن يكون عربياً سورياً أو من في حكمه و مقيماً في القطر العربي السوري
ليطالعنا الشرط الثاني والمتمثل في أن لا يتجاوز دخل المستفيد وعائلته (400000) ليرة سورية ,أي بمتوسطٍ شهريٍّ للدخل لا يتجاوز ( 33333.33) ليرة سورية / هل لاحظتم هذا الرقم السحري ؟/ بمعنى أن المأسوف على حظه والذي يزيد دخل أسرته الشهري بفارق جزءٍ من الليرة ( 33333.34 ) يكون قد شوه هذا الرقم الجميل وحصل على ( 400000.08 ) بزيادة قدرها( 0.08 ) عن الحد الأعلى للدخل الذي يتيح الاستحقاق يمنعه من أن ينضم إلى إخوانه المستحقين , هذا بالنسبة لموظفي الدولة . أما غير الموظفين التعساء فالتعهد يلحظ الدخل فقط دون تحديد لكونه يمثل أرباحاً فعلية أم أنه الدخل بما يشتمل عليه من مصروفات لا غنى عنها لتحقيق هذا الدخل .
هذا بالنسبة لشرط الدخل وما استطاع ذهني البسيط أن يلاحظه فيه , وللمختصين كلامٌ آخر .
أما عن الشرط الثالث والذي يقتضي بأن لا يملك المستفيد أي عقارات سكنية أو تجارية إلا العقار الذي يسكن فيه , فهنا فإن الجهة التي صاغت هذا الشرط لم تراعي كثيراً من الحالات التي تؤكد عدم صلاحية هذا المعيار لحجب الدعم عن المواطن , فقد يكون صاحب هذه العقارات لا يملك دخلاً شهرياً إلا عائدات تأجيرها تلك العائدات التي قد لا تتجاوز وفي معظم الأحيان الـ ( 400000) ليرة سورية سنوياً.
أو لعل متعدد العقارات ممن يقوم بتوزيعها على أولاده إن وجدوا ليسهل عليهم أعباء معيشة تزداد صعوبتها , مما يحرمه عملياً من عائدات هذه العقارات حتى لو بقيت ملكية الرقبة باسمه ,وهذا عرفٌ اجتماعي لايمكن إنكار انتشاره أو تهميش دوره في خلق تكافلٍ أسري لنقوم مقابله بمنع صاحب هذه العقارات من دعمٍ ربما يكون من المحتاجين إليه . والأمثلة كثيرة على عدم صلاحية هذا المعيار .
وعلى أية حال وحتى لو تجاهلنا هذه الحالات فإن اشتراط عدم تعدد العقارات يفترض أن تكون هذه العقارات مسجلة في السجل العقاري وهو ما ليس متوفراً في الكثير من العقارات السكنية والتجارية بسبب التلكؤ غير المفهوم في تحديد وتحرير العقارات والأراضي , فمن غير الممكن متابعة وتحري مالكي أكثر من عقار والذين يقومون بتسجيلها لدى كاتب العدل وأحيانأ بدون كاتب عدل . وهذا يطرح قضيةً ينسحب تأثيرها حتى على شرط الدخل آنف الذكر , فالمتابعة والتحري المفروض القيام بها في حالتنا هذه تفترض أيضاً جهاز تقصي ومتابعة متطور جداً ويكاد يشبه الأجهزة الضريبية في الدول المتقدمة والتي تعتمد على الضرائب المباشرة وهو ما ليس متوافر لدينا مما يجعلنا نلجأ إلى نظام الضرائب غير المباشرة الأسهل تحصيلاً .
فكيف إذاً ستتم متابعة دخول وأملاك من يقوم بتوقيع هذا التعهد لتوكيد مطابقتها للشروط المطلوبة , وهذا سؤال برسم من عنَّت له فكرة التعهد من البداية .
وبالانتقال إلى رابع شروطنا والمتمثل في عدم حيازة المستفيد على سجل تجاري أو صناعي من فئات محددة , فأظن أن هذا الشرط يستمد وجوده من الشرط الخاص بالدخل أي افتراض أن من يملك هذا السجل هو ممن يحققون دخلاً سنوياً يتجاوز الــ ( 400000) ليرة سورية , وهو ما لا أعلم كيف يمكن الجزم بصحته ودقته .
أما فيما يخص فواتير الكهرباء والماء والهاتف واشتراط عدم تجاوز مجموع فواتيرها ( 5000)ليرة سورية شهرياً فلن أثير شجونأً ترتبط بمدى دقة وصدقية هذه الفواتير أكثر من ارتباطها بإسراف المواطنين وعدم وعيهم الاستهلاكي .
وعند هذا الحد سأكتفي بهذه الشروط وأهمل الجدال حول شرط حيازة سيارة أقل من ( 1600 ) / سم3/ لا لشيء إلا لأنني لا أعلم ما هي الحكمة الاقتصادية والوطنية لحرمان من يملك هذا العدد من الـ ( سم3 ) من بدل المازوت , وكوني لست ممن يفهمون بالسيارات وميزاتها , في الحقيقة أنا لا أعرف القيادة .
وفي الخلاصة فإنني أرى أن صياغة هذا التعهد جاءت مثيرةً للشفقة أكثر من كونها مثيرةً للجدل , مما أوقع المواطنين في الحيرة والبلبلة , فليس من المعروف إن كان عدم تحقق أحد هذه الشروط يُخضع المتعهد للملاحقة والعقوبة المتمثلة بدفع ضعفي المبلغ الذي تم منحه , هذه العقوبة الغريبة التي لم يتم تحديد الجهة التي ستقوم بفرضها . أم أنه يجب مخالفة كل الشروط حتى تقع كارثة الكذب واللعب بالذيل .
وقد كان من الأجدى لو أنه تم سلفاً الاستفادة من الوقت الذي ضاع قبل دخول الشتاء , والتحقق من المواطنين الذين يستحقون هذا الدعم الحكومي دون حاجة لاختبار مصداقية المواطنين ومدى إمكانية الثقة بضمائرهم .
فإذا كان يقصد من تعهدنا إعطاء كلٍّ بحسب جهده , فإن مسيرة الفساد الإداري والإهمال والتقصير في دوائر الدولة وقطاعاتها الإنتاجية سوف تشير إلى عددٍ من المستفيدين يُخجل من ذكره ( هذا إن وجد )
أما إن كان المقصود إعطاء كلٍّ بحسب حاجته , فحبذا لو اكتفى أصحاب التعهد بالشرط الأول منه والذي ينص على كون المستفيد سورياً و مقيماً في سوريا .
إما هذا وإلا فإن الذئب ميتٌ لا محالة, والغنم سيفنى وبطريقةٍ غير مشرفةٍ بمجمل الأحوال