وأخيراً ... أخيراً أنتَ هنا ..عندما تصبح هذه الخطوط الخضراء المتعرجة خطاً مستقيماً واحداً ..
ويصبح هذا الطنين المتقطع طنيناً مُستمراً .. سأغمضُ عينيك وأغطي وجهكَ بهذا الشرشف الأبيض .. إلى أين أنت ذاهب .. انتظرْ .. لم يحن وقت الرحيل بعد .. الأشخاص خارج غرفة الإنعاش .. يراقبونك من خلف الزجاج الفاصل .. أعرف أنك لا تستطيع الحراك .. عيناكَ فقط هما اللتان تتحركان في جوفهما الجاف .. كُرتان حديديّتان صدئتان .
لا تطلب المزيد فأنفاسك ليستْ ملكَك .. أنت تشعر كما لو أنك تستنشقها من خُرم إبرة صغيرة جداً .
أتذكر ذلك الشاب الضخم الذي يضع كفيه وجبهته على الزجاج ويمضغ العلكة بنهم .. إنظر إليه جيداً .. أترى تحرّكات فكيه التي تبرز من خدوده كم هي شرسة ومُستفزّة .. عيناهُ المحمرّتان الجائعتان تراقب أنفاسَك المتعبة .. تراقب صدركَ الذي يرتفع وينخفض بصعوبة .. لا أدري ما الذي يريده منك .. لقد قال لي أنك والدُه .. ولكنني لم أصدقه .. لأنه قالها بحقد .. وتلك التي تضع ساقاً على ساق وتراقبك .. لقد طَلَتْ أظافرها باللون الأحمر الدموي ودهنتْ شفتيها وظللت عينيها بنفس اللون .. إنها تدخّن سيجارتها بصمت مخيف .. تنفث الدخان بعيداً عن وجهها و تنتظرك بفارغ الصبر .
هيا افعلها أيها العجوز .. أتذكُر كم عمرك ؟ .. أنت بارع في الحساب هل حسبت عمرك ..بالطبع لا فأنت أكبر من ذلك .. لن أزعجك أكثر.. ولكن لي عندك طلب صغير .. الخزنة الفولاذية التي تعتقد أن لا أحد يعرف مكانها .. التي تُكدّس فيها ملايينك وسبائكك الذهبية .. ما هي شيفرتها ؟ .. أنت الآن تشعر وكأن أحداً يدوس فوق صدرك .. ويكسّر أضلاعك برجليه .. قلت لك لا تطلب المزيد .. فأنفاسك ليست ملكك .. كيف أساعدك .. قل لي هل أسدّ لك جرّة الأوكسجين .. أم أقطع لك سلكاً من هذه الأسلاك الموصولة بصدرك .. ها قد أتت زوجتَك وبناتَك واكتمل شمل العائلة المشردة والفقيرة .. أنت تتألم .. تَخور .. تُنازع .. قلّي الآن ما هي الشيفرة .. لنْ تقول ؟ .. حسناً .. هذا غير مهم بالنسبة لي .. فأنت الآن ميت .. جُثّة .. جسد سيتعفن ويتآكل بعد مدة .. الكلّ يراقبك .. هيا افعلها .. افعلها بألم وذل .. أنت ترفع يدك بصعوبة بالغة .. أنا أراها جيداً .. أصابعك ترتجف وجسدك يختنق .. لقد رأوك .. أنت تومئ لهم .. ولكن الجميع يرمقك بغِلٍّ من خلف الزجاج .. يرمقونك بعيون جائعة .. يدكَ المرتفعة نحوهم والمتوسلة بذل .. تهبط بقوة على الفراش كمصارع يسقط ويخور على أرض الحلبة .. الجماهير تثور .. تفرح .. تهلهل لرحيلك .. وتكثر القُبلات .. فوق رفاة .. من سيحملك الآن ويلقي بك في التراب .. دع شيفرتك تنفعك .