قاعة المحكمة تغصُّ بالناس بمختلف أهدافهم ووحدها محامية نفسها أمام القاضي تناشد العدالة .
قالت سيدي القاضي:
أنا امرأة أدمنت ِالأمومة...وترعرت في روحي معانيها...عشقتها منذ طفولتي وتحولت إلى نبيذ معتق فيه من النشوة ما يطرب الكون ...
كانت طفلتي نتاج هذا الحلم الكامن في الأعماق وأضحت ابتسامتها شمس الأيام .. جمعت كلّ معاجم اللغة لاختيار اسمها من الشمس والشجر غزلت ألف ثوب لها ...تراقصت أقلامي وأزهاري وكل أشيائي مع ضحكاتها ...
جميلة صغيرتي تشبه الملائكة ...تنمو وتنمو وتزداد إشراقاً.
في صباح ربيعي فتحت الباب لأصدقائها كأي يوم مدرسي خرجت معهم كسرب حمام إلى فضاء رحب ينشدون السلام والأمل...سلكوا الدرب نحو المنى .
سارعت لأشجاري نتسابق لتأمين عيشها وحاجاتها و..و
وبلحظة تشبه قيام الساعة ..لا أستطيع الوصف..
زلازل وبراكين ...أم فيضانات وحرائق ...أم أزيز رصاص ودوي انفجارات...أنباء وقرارات...
إنها الحرب أيها القاضي وعلى من ؟... إنها الحرب على الأطفال
لست أدري ما حدث بالضبط كل ما أذكره أنّ أقدامي سابقت الريح.. اخترقت كل الحواجز والعوائق.. وأمام مدرستها أصبحت رجل إطفاء ومنقذ...وأصبحت أماً لكل الأطفال...لكنّ نداء قلبي سارعني إليها ...طفلتي مغمورة بدموعها ..مكسوة بدمائها ..تتهادى على رماد الدمار سكرى من هول الواقعة .
فتحت ذراعيها تناشدني احتضانها..منحتها روحي ودمي..فؤادي
أعدّتها إلى صدري رضيعة فربما حليب الأم دواء لهذا الألم
لكنّهم أمطروا المكان ثانية بكلّ ألوان الحقد والوحشية.
لتتحول الملائكة إلى طيور مهاجرة...
وماذا تفعل الأم أيها القاضي بلحظة مماثلة؟
أقسم ..مازلت أنتظرها عائدة من المدرسة لأشتم عطرها ..مازلت أنتظرها بكل ما هو آت من عمرها .
أيها القاضي : لو عرفت كيف رحلوا ؟
لا أستطيع الوصف أيها القاضي دعِ الصمت يأخذك إلى ذاك المكان حيث زرعوا في الثرى بثوب من دموع ودماء وآهات..وصغيرتي بين شقيقاتها شجرة ياسمين في شفتيها العتب على كل الكبار ذكور وإناث أشقاء أصدقاء و غرباء ...
وأنا وحدي مسلوبة أمومتي.
أيها القاضي: لا أريد تعويضاً ولا محاكمة هؤلاء الحمقى ..
أريد صغيرتي .. أعد إليّ صغيرتي .. أعد إليّ أحلامي وآمالي..دفء أيامي .
أو احكم على عمري بالفناء فما عاد في الجسد مكان للصبر من الإعياء ..
أرجوك سيدي القاضي كن عادلاً كما أقسمت أمام عدالة السماء.
نبراس يوسف علي