صدى سوريا: بقلم : أحمد و.مارديني
إن وجهي وأنا أستيقظ في أول يوم رمضان أشبه بغوريلا مرتعبة ومرعبة بنفس الوقت .. لا أعرف لماذا يهرب مني أهل البيت .. وخاصة أختي ..فهي تبتعد عني وكأنها تبتعد عن طبق شنكليش مع البصل المفروم ..ففي طريقي من غرفتي إلى المغسلة .. ألاحظ أن الكل في البيت يرمقني بازدراء يشوبه الخوف وكل العيون تقول لي : ((إبتعد عني حباً بالله)) . أصلُ إلى المغسلة وأغسل وجهي .. ولا يبدو حالي أفضل كثيراً قبل الغسل سوى أنني أمشط شعري المنكوش بقرف.. في هذه الأثناء يكون قد مضى حوالي عشر دقائق على استيقاظي ولم أتفوه بكلمة واحدة .. حتى صباح الخير .. وعندما أضطر أن أقولها لأمي مثلاً .. قبل أن أسألها عن مكان جواربي .. أشعر وأن أمي تقول في نغمة ردها : ((سقاالله صمتك )).
أما إخوتي فأكتفي برفع حاجبي لهم كناية عن صباح الخير .. وربما ألوح بيدي لأحدهم إذا قال لي مكرهاً: رمضان كريم يا أخي ..
أما في الشركة .. فعندما أدخلها..أشعر وكأني قط دخل على مخدع للجرذان .. إنهم يتفرقون باعتباط .. وليس القصد أن أصور لكم أنني مسؤول مهم في الشركة .. ولكن في الواقع لدي بعض الموظفين تحت إمرتي.. المهم يهرب الذي يهرب .. ومن يبقى فهو يشغل نفسه بعمل ما ويدعي أنه لم يرني أو يشعر بوجودي .. وربما يستعين بنانسي عجرم ويدندن وهو يعمل : ((شخبط شخابيط )) ..
أما المغضوب عليه .. فهو من أقرر أن أقول له صباح الخير .. وأسأله عن آلية العمل ..
وعندما أعود إلى البيت .. وبعد أن أتشاجر مع المارة والسائقين والبائعين .. وأنا أختتم كل مشاجرة أو ملاسنة بقول : اللهم إني صائم .. أصل إلى البيت .. فأجد الأهل منهمكون بالعمل في المطبخ ومنهم من يتعبد ربه .. ومنهم من يتفرج على مسلسل كوميدي .. ومنهم من يتفنن في تزيين طاولة السفرة.. وفجأة ومع دخولي .. تتحول هذه الحيوية إلى ركود .. وجمود .. وخاصة عندما أستبدل التحية عليهم بانتقادات لاذعة وهمية حول أدائهم .. وأنقب عن المشاكل التي أختلقها كما ينقب عن الآثار في الصحراء.. أجل يا سادتي ..أعترف .. لاأحد يحبني في رمضان ..
وقبيل الأذان بدقائق .. الكل يجلس ويستغفر ربه حول المائدة العامرة بالطيبات .. إلا أنا ..أجلس في ركني الخاص مع علبة سجائري وركوة القهوة والفنجان الفارغ .. وإلى جانبه تمرتين .. وكوب ماء .
في هذه اللحظات .. تحدجني أمي بغيظ وتقول محاولة كما في كل سنة : ألن تفطر معنا ؟..
أكتفي برفع حاجبي لها بمعنى : لا
فتقول : لاحق ع السم الهاري .. قوم كلك كم لقمة .. ربما أقول لها : تشق .. يعني (لأ)
حينها.. أشعر وكأن الملاك سيخرج من كتفي الأيمن ويصرخ بي متوسلاً : لاااااااااتصوووووووم..
وأتخيل أنني ذهلت به .. ونظرت جهة أهلي فوجدت خلفهم يجلس الموظفون في الشركة .. وإلى جانبهم المارة والسائقين والبائعين اللذين تشاجرت معهم اليوم .. وهم جميعاً يؤيدون الملاك ويهزون لي برأسهم بمعنى : إسمع كلام الملاك ..
ومايخرجني من تخيلاتي وهلوساتي .. هو صوت الأذان .. الله أكبر الله أكبر .. فتلتفت إلي أمي قبل أن تفطر وتقول مهددة بحزم : إذا لم تأت الآن فلن أضع لك الطعام بعد ساعة .. فأهز لها رأسي غير عابئ وقد سحبت أول سحبة من السيجارة منتشياً ورشفت أول رشفة من فنجان قهوتي .. وأقول لها مماحكاً مصطهجاً وقد راق مزاجي : ومن قال لك إني أريد أن آكل بعد ساعة ..
وما إن تمضي ربع ساعة على انتهائهم من الطعام وتنظيف السفرة .. حتى تأتي أمي إلي وهي تلوك كلماتها في فمها بتردد .. وتقول : حطلك أكل تقبرني ؟..
إنها أمي الحبيبة .