لا أعتقد أن حملة الاعتقالات التي قامت بها أجهزة المخابرات السوريّة مؤخراً, هي ردّة فعلٍ غاضبة على إعلان دمشق - بيروت.
فالإعلان, بتخبط بنوده, وتناقض عباراته, وشرذمة مؤيديه, لا يستحق التفاتةً من أجهزة الأمن, فكيف بردّة فعل؟
كل ما في الأمر, أن إعلان دمشق – بيروت, كان القشة التي قصمت ظهر البعير, وأدت لتنفيذ حملات الاعتقال.
أما السبب الحقيقيّ الذي يقف وراء كلّ ذلك, فهو ذاته الذي يُردده كثيرون, على سبيل الاستخفاف والاستهزاء, ولكنه في حقيقة الأمر, هو سببٌ خطير, قد يعكس مع مرور الزمن, واقعاً أشدّ خطورة وأكثر مرارة.
هل فكر أحدكم مرّةً, بما تعنيه عبارة: "إضعاف الشعور القوميّ"؟
هل حاولتم يوماً, التمعّن في عبارة: "إثارة النعرات الطائفيّة والعنصريّة"؟
هل توقفتم بالتحليل والتفنيد أمام عبارة: "نشر أخبار كاذبة, من شأنها أن تنال من هيبة الدولة ومكانتها"؟
إن كل عبارةٍ, مما سبق, تعتبر جريمة بحدّ ذاتها, وطامة كبرى, ما إن تدخل مجتمع, حتى تتجذر فيه, وتنشب أظافرها داخله, ولا تتركه إلا وهو أقسامٌ وأجزاء, تتنازعه طوائفٌ وأحزاب.
فما بالكم إذا كان مرتكبو هذه الجرائم, من النخب الثقافيّة, والصفوة الفكريّة؟!
ما بالكم إذا كان قادة رأي, ينكئون الجراح, ويصبون فوق الزيت نار؟!
من ناشطين سياسيين, ومدافعين عن حقوق الإنسان, إلى أدباء وفنانين, ومفكرين وحقوقيين,...
لماذا نعت هؤلاء الوجود السوريّ في لبنان, بحكم الوصاية والاحتلال؟
لماذا وصفوا تدخل سوريا لحفظ سيادة لبنان, انتهاكاً لاستقلال البلاد؟
لماذا هاجموا امتناع سوريا عن ترسيم الحدود, ورفضها تبادل التمثيل الدبلوماسيّ؟
لماذا اعتبروا التمديد لإميل لحود, بداية الأزمة, وفساد الاقتصاد, سبب المشكلة؟
ولماذا اتفقوا على إهانة سوريا وشعبها, منزهين لبنان وأهله عن كلّ نقصٍ وعيب؟
لن أقول كما يُردد كثيرون, أنه لولا الوجود السوريّ في لبنان لما بقي لبنان, فأمورٌ كهذه, تتعلق بحُكم القضاء, وتدابير القدر.
لكن لولا موافقة ثوار الأرز – كما أسمتهم رايس – أو عصابة 14 آذار – كما نسميهم نحن – على الوجود السوريّ في لبنان, والاستفادة من هذا الوجود أكثر من السوريّ نفسه, لما أقامت سوريا على أرض لبنان مدّة ثلاثين عاماً.
ولولا إعادة إعمار لبنان, وتأسيس شركة سوليدير, وخصخصة الهاتف الخلويّ, وملفات بنك المدينة, و..., لما وصلت ديون لبنان إلى ملايين الدولارات.
ولولا أن الرئيس إميل لحود, حريصٌ على مصلحة لبنان, وحريصٌ على المقاومة اللبنانيّة, لما فكرت سوريا بالتمديد له, ولما صدر قرار التمديد بأغلبية أعضاء المجلس النيابي اللبنانيّ, ومن بينهم رفيق الحريريّ.
سقط إعلانكم أيها السادة لافتقاره الحجج المنطقيّة, والوقائع الثبوتيّة, وسقطتم أنتم مع هذا البيان, بعد أن كشفتم زيف عروبتكم, وتشوّه قوميتكم, وكذب يساريتكم, فتبدلت عقائدكم بتبدل مراكز القوة, وتغيّرت مواقفكم بتغير اتجاه الرياح.
يمان سمير عمّوري...