صدى سوريا: دخلت سوريا مرحلة جديدة في انفتاح غير مسبوق بالتعاطي مع سوق التأمين، تمثلت بإحداث شركات تأمين خاصة، باتت تنافس وبقوة القطاع العام الذي انفرد، ولمدة تقارب الخمس وخمسون عاماً، بهذا السوق، فهل تستطيع خوض المنافسة مع هذه الشركات؟ وكيف؟ وما هو مستقبل التأمين كقطاع عام بعد أن شاركه القطاع الخاص في هذا السوق؟ وما هي الإجراءات المترتبة على القطاع العام كمشارك فعال في سوق التأمين، لمواجهة هذه الظروف؟ "صدى سوريا" حملت هذه الأسئلة وتوجهت بها إلى السيد سليمان الحسن، المدير العام للمؤسسة السورية للتأمين ورئيس الاتحاد العربي للتأمين، وكان هذا الحوار
يقول الخبراء الاقتصاديين أن سوق التأمين في سوريا ما زال بكراً ولهذا فهو سوق غني، وفي هذا الوقت أصدرت الحكومة السورية قراراً يقضي بالسماح بتأسيس شركات التأمين الخاصة، أين سيكون القطاع العام في مجال التأمين السوري في ظل هذه الظروف؟
كونه بكر لا ينفي أنه غني، وهو بكر كونه لم يدخل عليه قطاعات أخرى منافسة للقطاع الحكومي الذي انفرد بسوق التأمين السورية على مدى خمسين عاماً، ويرجع ذلك للتوجهات الحكومية بأن هذا السوق يجب أن يكون محصور على هذه الشركة، رغم أنه كان باستطاعتها أن يكون لديها ثلاث أو أربع شركات عامة لهذا القطاع دون أن تنفرد به المؤسسة. ويمكن القول أنه بكر لأن هذا النشاط الاقتصادي ما زال أمامه مجالات واسعة لينشط بها ويغطيها، لأن المؤسسة التزمت بحدود معينة لتنشط بها، حيث لم يكن باستطاعتها أن تغطي كل الجوانب، لكبر حجم السوق التي تغطيها وحدها (وهي سوريا بالكامل)، وليس لعدم قدرتها أو ضعف خدماتها . كان هناك(بعض التقصير من الشركة) في بعض الأمور ولكن طبيعة وجود شركة واحدة في سوق كبيرة يجعلها غير قادرة على تغطية كل احتياجاتها التأمينية، ومن هنا كانت هذه السوق بكر وغنية، وبرأي الشخصي فإن القرار الذي اتخذته الحكومة بأن تفتح سوق التأمين في سوريا، كان خطوة إيجابية جداً دعّمت السوق بجهات قادرة على تقديم الخدمة التأمينية إلى جانب المؤسسة مما فتح الإطار للمنافسة، فعندما تتواجد السلعة في أكثر من جهة فهذا سيؤدي بالضرورة إلى تحسين هذه السلعة وإلى إمكانية أن يختار المواطن بين أكثر من بديل ، كما أن فتح هذه السوق سوف ينعش الاقتصاد السوري فعندما تكثر الجهات التي تقدم هذه الخدمة فسوف يتم تغطية للسوق السورية بكل مساحتها الجغرافية، وهذا حجر جديد في النمو الاقتصادي الوطني وحمايته، حيث يلعب التأمين دورين مزدوجين، فهو عامل أساسي في نمو الاقتصاد من خلال زيادة الناتج القومي المحلي، كما أنه يقوم بدور أساسي في الحماية من خلال طبيعة الخدمات التي يقدمها للمواطن ، كما أنه يقدم للمواطن في بعض جوانب التأمين، خدمة يمكن أن أسميها تجميع مدخرات .
من المعروف أن المواطن السوري ليس لديه الوعي الكافي بأهمية التأمين، ما هي الإجراءات التي يمكن أن تقوموا بها لزيادة الوعي التأميني؟
الوعي التأميني عبارة مختصرة بكلمتين و معناها واسع جداً، وللأسف الوعي التأميني، ليس فقط لدى المواطن السوري، بل أيضاً لدى المواطن العربي بشكل عام، أقل مما هو عليه في أوروبا و الدول الغربية عموماً، والسبب في ذلك يعود إلى أن التربية التأمينية لم تنشأ مع الأفراد حيث لا يعلم الطفل طبيعة الأخطار المحيطة به وكيفية الوقاية منها.
ولمن يعود السبب في ذلك؟
يعود إلى طبيعة المجتمع وتلعب أيضاً النواحي المادية دوراً في ذلك فأغلب فئات المجتمع هي ذات الدخل المحدود، وضمن هذا الدخل لديها أولويات المسكن والملبس ومصاريف التعليم وما إلى هذا، وحتى إن كان التامين أحد أولوياتها فلن يستطيع هذا الدخل تغطية كل الأولويات وهذا أحد الأسباب المهمة لانخفاض الوعي التأميني، على الرغم من أن الثقافة التأمينية موجودة عند كل فرد منا بشكل غير واضح ودون أن يشعر فكثير من الأشخاص يخبئ جزءاً من دخله لأوقات الأزمات، وهو يكون بذلك قد مارس التأمين لدى نفسه، وهذا هو مبدأ التأمين، في حين أنه لا يفضل التأمين لدى شركة وهذا يرجع في النهاية لنقص الوعي، ولا يمكنني القول أننا نستطيع تحويل الأشخاص إلى واعين تأمينياً في ليلة وضحاها لأننا نعمل على تغيير انطباع نفسي للفرد ، إلا أنه يسعنا البدء ببرامج توعية، بأنواع التأمين في المدارس والجامعات وتنشيطها بين المواطنين بنشرها عبر اللقاءات الصحفية والتلفزيونية.
وعلى من تقع المسؤولية في تنفيذ هذه الإجراءات ؟
هذا مسؤولية الجميع، مسؤولية المؤسسة العامة للتأمين ومسؤولية وسائل الإعلام وهيئة الإشراف على الـتأمين ووزارة المالية ووزارة التربية، وفي فترة من الفترات عندما كانت المؤسسة وحيدة في سوق التأمين كانت تحاول بقدر الإمكان ومن خلال إمكانياتها، أن تنشر الوعي التأميني لكنها لم تستطع الوصول إلى كل الفئات المستهدفة، لكن الآن ساعد وجود الشركات الأخرى التي تعلن عن نفسها على نشر الثقافة التأمينية فهي تدخل كلمة تأمين إلى وعي الفرد مما يجعله يبحث عن الخدمات التي تقدمها الشركات الأخرى، ومنها المؤسسة السورية للتأمين، وهذا بالطبع يقوي من مجال المنافسة، وأعتقد أنه خلال خمس سنوات سيختلف شكل وطبيعة الوعي بالتأمين لدى المواطن السوري وحتى تعامله مع التأمين وإحساسه بأهميته، فمن يشعرون بها الآن هم فقط أصحاب الأموال وأصحاب المنشآت الصناعية والتجارية الذين يكونون في بعض الفروع التأمينية ملزمين على التأمين بحكم القانون لوجود مسؤوليات مدنية.
هل قمتم بأي خطوات لمواجهة ظروف المنافسة الخاصة، أم بقيتم تعتمدون على كونكم قطاع حكومي سيبقى المواطن يؤمن لديه كونه يثق بالحكومة أكثر من الشركات الخاصة؟
الشركات التي تشاركنا في تقديم خدمات التأمين متماثلة معنا في كل شيء والسبب أن مهنة التأمين واحدة في كل أنحاء العالم، فالمؤسسة تعمل من الناحية الفنية بطريقة مماثلة لكل شركات التأمين في العالم، إذاً فالناحية الفنية ليست مجالاً للمنافسة، مجالات المنافسة المتاحة هي الخدمة والسعر، وكما ذكرت فالخدمة ذاتها موجودة في جميع الشركات لكن ما يختلف فيها هو سعرها وسرعة تقديمها للزبائن.
وهل ترى أن المؤسسة السورية للتأمين هي جهة منافسة من ناحية سعر الخدمة وسرعة تقديمها؟
أعترف أن الخدمة التي تقدمها المؤسسة بطيئة إلى حد ما كما أن أسعارها مرتفعة نوعاً ما، وقد أحست المؤسسة بذلك، حيث بدأت تراجع نفسها بدءاً من العام (2000) ، حيث لم أكن استلمت الإدارة بعد، وعندها لم تكن هناك شركات تأمين أخرى غيرها، فتنبهت المؤسسة إلى أن ما ينقصها هو آلية العمل وتغيير عقلية الموظف ليشعر أنه رجل تأمين وليس موظف تأمين، كما تنبهت إلى ضرورة إعادة النظر بأسعارها، وأعترف أنه لم يخطر ببال أحد التفكير بهاتين النقطتين خلال الفترة التي سبقت هذا التاريخ، ومنذ عام (2000) تغيرت الأسعار ما بين خمس إلى ست مرات، وفي كل مرة تجري الدراسة حول ما إذا كانت هذه الأسعار متناسبة مع حاجات السوق ، وما إذا كانت زادت من الإقبال على التأمين، وهذا ما حصل بالفعل، كما جرى متابعة الأداء ومعرفة أسباب التأخير في تقديم الخدمات، وجرى تحفيز العاملين وتغيير عقلياتهم في مجال تقديم الخدمات للزبائن، لكن أستطيع القول أننا ما زلنا بحاجة لمزيد من التطوير حتى نجاري الشركات الأخرى التي بدأت للتو ولا تعاني من السلبيات التي تحاول مؤسستنا تجاوزها، ففي فترة من الفترات عوملت المؤسسة كدائرة حكومية دون النظر إلى مجال نشاطها، لذلك بدأت المؤسسة تعطي هوية لنفسها كمؤسسة تعنى بالتأمين أما بالنسبة لسعر الخدمة فقد أصبح من أحسن الأسعار المطروحة، مقارنة بالأسواق المجاورة، وهذا ما تعاني منه الشركات الحديثة في سوريا، لكن هذا لا يعني أن الزبائن لا ترغب في التعامل مع الشركات الأخرى فلو كان الوضع كذلك لما افتتحت بالأساس، فالمبدأ الأول والمشروع للسوق هو الربح، ومن غير المنطقي إنكاره، وهذا ما يعني أنهٍ هناك مجال لم نصله بعد وهو مجال للمنافسة بالطبع، لكننا سنبقى الأوائل لأننا أول وأفضل شركة من حيث الملاءمة والاحتياط والخبرة والتاريخ الذي يمتد على خمس وخمسون عام، وأتصور أن المنافسة ستكون واضحة بعد عامان ونصف تقريباً.
بماذا ترد على من يقول أن المؤسسة السورية للتأمين احتكرت الشق الادخاري في خدمة التأمين على الحياة لتحتفظ بالزبائن الذين بدؤوا بالانسحاب التدريجي منها؟
ربما تقصدين الشق الادخاري في بعض عقود الحياة الذي قد ينص على أنه في حال عدم حصول الوفاة يحق للشخص المؤمن لدى المؤسسة أن يطلب بطريقة ما استرداد الأقساط بالإضافة لنسبة من الفوائد، وأو أكد لك أنه موجود لدى جميع شركات التأمين في العالم والشركات الخاصة الموجودة في سوريا.
إذاً المؤسسة السورية للتأمين لم تحتكر أية خدمة؟
أية خدمة على الإطلاق، على العكس كنا نتمنى هذا.
لنعود إلى موضوع كنت تحدثت عنه وهو موضوع التأمين الإلزامي على السيارات الذي اعتبره البعض بمثابة ضريبة أوجدتها الحكومة لتدعم المؤسسة السورية للتأمين، ما ردك على هذا؟
القانون لا يلوم بالتأمين كضريبة، فقانون السير الصادر عام 1974 والمعدل عام 2004 ألزم أصحاب المركبات بالتأمين لدعم المواطن، وصيغة المادة هي التالي: ((على كل مالك مركبة أن يبرم عقد تأمين لتغطية مسئوليته المدنية ضد الغير لدى إحدى شركات التأمين العاملة على أراضي الجمهورية العربية السورية.)) وفي ذلك الوقت لم يكن هناك سوى المؤسسة السورية للتأمين، أما الآن فيستطيع صاحب المركبة التأمين لدى أية شركة أخرى، فالإلزام كان لتأمين المركبة وليس للتأمين لدى المؤسسة، وهذه الطريقة تستخدم في المجتمعات التي ليها نقص في الوعي التأميني وحتى في البلدان ذات الثقافة التأمينية العالية، لأنه يشكل حماية للأشخاص ففي حال حدوث أي حادث تحل مؤسسة التأمين، أوتوماتيكياً، محل سائق المركبة في تحمل مسؤولية دفع تكاليف المتضرر.
لكن يجري الحديث عن وجود مبررات تقدمها المؤسسة السورية للتأمين على أن هذه الحوادث مفتعلة حتى لا تقوم بتحمل المسؤولية المادية؟
إذاً لمن ندفع ملياران وثمانمائة مليون ليرة سورية كل عام؟ كما أن المؤسسة لا تبرر أن الحادث مفتعل إلا إذا كانت تملك إثباتات على ذلك وعندها يحكم القضاء بيننا، ولدينا أمثلة على حوادث قالت المؤسسة أنها مفتعلة، ثم ثبت ذلك، كل نفعله هو تطبيق العقود الموقعة مع الزبائن، وأستطيع القول أنه في كل أنحاء العالم (ليس فقط في سوريا) مطموع بشركات التأمين فهناك أشخاص يمتهنون الاحتيال على هذه الشركات، لكن هذا لا يعني بالطبع أن كل الزبائن هم من هؤلاء.
ما هي نسبة الحوادث التي تغطيها المؤسسة من العقود الموقعة؟
تغطي المؤسسة كل الحوادث التي لا يثبت أنها مفتعلة، وتصل نسبتها في المركبات إلى أكثر من 99% من حوادث السيارات، وهذا من أحد الأمور التي كثفت من عملنا في ظل المنافسة، ولدينا ما يثبت أن عدد المكتتبين زاد في عام 2006 عن عام 2005، 4000 مؤمن فقط في مجال التأمين على السيارات ضد جميع الأخطار، وهو تأمين اختياري.
كيف ترى مستقبل التأمين في سوريا كقطاع عام بين شركات خاصة ستدخل سوق التأمين بقوة؟
طالما أننا نملك أدوات العمل فمن السهل تطويرها لتوازي أدوات العمل لدى الشركات الأخرى، وطالما أن آلية العمل والخدمات والأسعار واحدة بيننا جميعاً، فبالطبع سيبقى الأفضل دون فروق بين القطاع العام والخاص سوى المالك، هذا من حيث المبدأ، أما من حيث الواقع تختلف نوعية العاملين بيننا، كما أن مجلس الإدارة يقيم أعمال الشركة الخاصة في حين يقيم أكثر من جهاز حكومي عمل المؤسسة، ونعمل الآن على تخطي هذه المعوقات من خلال تعديل مرسوم إحداث المؤسسة الذي سيكون في بداية العام، بحيث نضيف المرونة والأدوات الجديدة الموجودة لدى القطاع الخاص على المؤسسة.
كيف ترى مستقبل التأمين في سوريا؟
ممتاز، وأشيد هنا بالجهود التي بذلت من وزير المالية وهيئة الإشراف على التأمين، الأمر الذي وضع هذا القطاع على خط سيره الصحيح، وكل الخطوات المتخذة كانت مدروسة وصحيحة 100% رغم أنها كانت سريعة جداً، حيث حولت سوق التأمين السورية من حالة انغلاق إلى حالة انفتاح كبير، الأمر الذي أثبت أن السوق السورية قابلة للتطور خلال زمن قياسي، وأكرر أن الفضل في هذا يعود للقيادة كاملة وعلى الأخص لوزير المالية الذي يتابع تطوير هذا السوق دون أن ينسى المؤسسة السورية للتأمين من خلال فهم كامل لطبيعة الدعم اللازمة للمؤسسة .
هل ما زالت سوق التأمين السورية بحاجة إلى المزيد من هذه الخطوات؟
ما أحرزه وسيحرزه تطبيق هذه الخطوات سيفرز واقعاً جديداً سوف يحتاج لدراسة وخطوات تطوير جديدة، فلا يوجد شيء يتوقف عند حد معين، وبرأي فإن التأمين في سوريا سيصل على الأقل لمصافي التأمين في السوق العربية، خلال ثلاث سنوات على أبعد تقدير.
حوار: بانا حمزة