(خاص صدى سوريا – حنان عارف ) كتب كاتب انكليزي :" بقدر ما نتهاوى بقدر ما نكره أصدقاءنا القدامى نكره كتبنا القديمة نكره آراءنا القديمة و في الآخر يصل بنا الأمر إلى كره أنفسنا .... "
قرأ قارئ عربي ذلك ....في الوقت الذي كان يبحث فيه عن بعضاً من الحب في الكتب و الروايات , في الأدب و الأشعار بعدما عجز عن إيجاد أي شيء منه على ارض الواقع .... في حياتنا اليومية .... داخل نفسيتنا المحطمة و أرواحنا المتعبة ... و ضمن همومنا الكثيرة و أحلامنا المدمرة و آمالنا المؤجلة و آلامنا المؤكدة و مشاكلنا المعقدة ..!
لكن ومع صعوبة هذه المهمة التي تبدو مستحيلة فالغاية تستحق التعب و البحث و الجهد .. و الغاية أصبحت في زمننا الحاضر تبرر الوسيلة مهما كانت .
الغاية هنا الحب ،المناسبة عيد الحب والمهداة إليه: المحبوب .... أما الوسيلة فهي السرقة .!!!!
و لعدم قدرة هذا العاشق المادية على شراء هدية قيمة تليق بمحبوبته وبسبب مبادئه التي تمنعه من مد يده وتحسين وضعه المعيشي بطرق مشروعة و غير مشروعة و لأنه رجل المبدأ في زمن اللامبدأ , قرر صديقنا الاتجاه إلى الهدايا المعنوية والهدية دائما بما تحمله من قيم و مشاعر و عواطف تجاه الشخص الآخر و هذا أهم بكثير وأكبر من قيمة الرقم الذي يزين البطاقة الصغيرة المعلقة على الهدية أوالورقة الملصقة عليها ...و هنا أيضا واجهته مشكلة صغيرة ففي زمن المتغيرات و العجائب , زمن المشاكل التي تحيط بك من كل جانب , زمن الكوابيس التي ترفض أن تتركك حتى تجدها تغادر حلمك لتبقى معك في يقظتك , لذا فكيف يستطيع رجل يعيش في هذا الزمن أن يبتكر كلام الحب الجميل, حاول عبثا أن يخلق بيتا شعريا أو نثريا يصف فيه ما يعتمر قلبه من حب لها ...اكتشف فجأة عجزه عن الحب و ليس السبب انتهاء الحب وإنما عمر يملئه اليأس ،الألم , التعب و المرض , القهر و الذل ,الخوف ,المجهول ,الماضي و الحاضر و اللامستقبل......
بعد كل هذا كيف بإمكاننا أن نشعر بالحب و لم يعد في قلوبنا مكانا للأفراح , و لا حتى للأحزان .... و مع التطور وعصر التكنولوجيا و السرعة , و الوصول إلى القمر أخذنا نشعر بأننا آليين مجردين من المشاعر و الأحاسيس .
لقد أعتدنا على مشاهد الدم و هو يغسل الشوارع بدلاً من المطر , اعتدنا رؤية الأجساد الهامدة تفترش الأرصفة والأشلاء تتطاير كألعاب نارية ،لم تعد تستطيع نشرات الأخبار هز مشاعرنا أو تحريكها , لم يعد هناك فرق كبير بين اللون الأحمر الذي يسيل على الطرقات و اللون الأحمر الذي يكسو الورود .
لم يعد هناك فرق بين الوردة التي تقدم في عيد الحب, و الوردة التي توضع على شاهدة قبر!
جمدت الملامح في الوجوه و اعتدنا الموت أحياء .
مع ذلك لا يخلو مجتمعنا العزيز من بعض المتفائلين و الباحثين عن بصيص نور والقليل , القليل من الأمل ! كحبيبة صديقنا الآلي ،لذا ولأنه يحبها هذا العاشق فعليه مجاراتها , ولأن الغاية كما قلنا تبرر الوسيلة " رحم الله ميكيافليي – فهو شخص سابق لعصره بكثير", و لأن راتب صديقنا كرواتب الكثيرين منا لا يحتمل الهدية المادية و لأن روحه لا تمتلك القدرة على الإحساس ولأن ذاكرته دخلها فيروس من نوع خطير فأعيدت معالجتها وأصبحت خالية , اقنع نفسه أخيراً بالسرقة المعنوية برسالة خليوية مسروقة من رسائل الغير.
الآن الرسالة جاهزة تنتظر الموعد المنتظر و إذا بقارئنا العزيز يقرأ خبراً مفاده :" نواب عرب يحاربون الحب !
الوسيلة : " اتخاذ إجراءات عاجلة بحق شركات الاتصالات التي ترسل رسائل نصية أو تمرر اتصالات تعرض الحب على الهاتف.
الغاية : " الحفاظ على قيم الأمة وبنائها الأخلاقي.. ومكافحة الفساد ".....
المكان : البلد الشقيق – الأردن .
و بحركة لا إرادية قام بمسح الرسالة مستغربا في الوقت نفسه كيف نحارب الحب وكنا في الماضي أهل الحب و شعرنا العربي زاخر بأنواع الحب على مدى العصور .
هل أصبحنا اليوم بعد كل هذا الغنى العاطفي نعاني إفلاسا في المشاعر وعجزا في الأحاسيس يفوق عجزنا الاقتصادي بأضعاف مضاعفة !
و مع تاريخ عربي مليء بشعراء الحب و الغزل يقفز اليوم عيد الحب في الرابع عشر من شهر شباط من كل عام قادما إلينا من الغرب و كنا نعتقد أن الشرق هو من علم الغرب الحب!
تغنى التاريخ العربي القديم والحديث بشعراء الحب الذين شاركونا نفس الهواء الذي نتنفسه و نفس الماء الذي نشربه و لكن لعلهم لم يشاركونا نفس الهموم والآلام !
في عيد الحب هناك في الغرب: الوسيلة هي الحب و الغاية هي الحب أيضا
في عيد الحب هنا: الوسيلة هي الحب والغاية هي تنشيط حركة السوق الاقتصادية و كسر الركود فالحب أصبح يباع و يُشترى كأي سلعة أخرى مقدرا بقيمة الهدية فالحب الأكبر لصاحب الهدية الأثمن وسعر الوردة الحمراء ينافس الذهب و الدولار بالارتفاع .
أصبحنا في الأيام القليلة التي تسبق عيد الحب نشهد استنفار أصحاب المحال في دمشق لعرض هدايا العيد الحمراء وتتضاعف سعر الوردة الجورية الحمراء إلى نحو 450 ليرة سورية أي أكثر من 9 دولارات بينما لا يتجاوز سعرها في الأيام العادية نحو خمسون ليرة ،و وصل إنفاق السوريين على الورود في هذا اليوم إلى أكثر من 75 مليون ليرة سورية أي 5ر1 مليون دولار وذلك وفقاً لتقديرات من واقع الأسواق!
كما أن الوردة الحمراء البلاستيكية لم تكن أقل حظاً من صديقتها الطبيعية ففي الأيام العادية لا يزيد سعرها على 35 ل.س، و فجأة نجده يقفز إلى 350 أو 500 ل.س و هو أمر لم يكن يحلم به البائعين المنتظرون هذا اليوم بفارغ الصبر لما يحققه لهم من أرباح قد تغطي مبيعات أشهر، إذ يتسابق أصحاب المحال التجارية بصبغ المكان باللون الأحمر وهناك بعض المحال تغير نوع بضاعتها فجأة و ليوم واحد فقط لتبيع هدايا عيد الحب من دمى و ورود ،والبعض الآخر يحاول جاهدا أن يبتكر صرعة العام ، فعلى سبيل المثال يقومون ببخ الورود البيضاء أو الصفراء ببخاخ دهان أحمر من باب التقليعة ، وقد وجد العشاق الطيبون بذلك آخر موضة فأقبلوا عليها بجنون.
يقول أحد أصحاب هذه المحال : يا ريت كل يوم هناك عيد حب حتى يمشي الشغل و نحقق ربح كبير . و يؤكد آخر أن عيد الحب هو أهم المواسم لديه مقارنة بغيره من أيام السنة رغم موقفه السلبي من الحب و عيده كقيمة معنوية و روحية فاعتبرها سخيفة و صرعة جاءت من الغرب و لكن بما أنها تدر عليه الربح فأهلاً به كقيمة مادية فقط .
ويؤكد منتجو الزهور ونباتات الزينة أن الإنتاج السوري تطور خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير بحيث أصبح يغطي حاجة السوق المحلية ويصدر الفائض منه في المواسم إلى الدول المجاورة ففي العيد تستهلك السوق المحلية نحو خمسمائة ألف وردة جورية حمراء تنتج منها محلياً نحو 25 بالمئة والباقي يستورد من كولومبيا والهند .
كما ازداد عدد المشاتل ومعه إنتاج الزهور ونباتات الزينة إلى ما يفوق 1500 مشتل حتى عام 2009 قياساً مع 25 مشتلا عام 1972.
لذا و رغم رفض البعض للحب بكافة أشكاله , نجدهم يعجزون عن رفضه كعيد يحرك السوق التي كانت تعاني من جمود ثقيل مسيطر على حركة البيع والشراء , فأصبح للحب شكله المادي و غدا مناسبة للتجار والباعة كي يكنزوا أرباحاً كبيرة تشاركهم في هذه الفرحة شركات الاتصال، فبعد أن كانت الرسائل الورقية و البطاقة البريدية التي يكتب عليها العاشق شعرا لحبيبته بخط يده والمعطرة بعطره الخاص ،واضعا روحه في الظرف البريدي أصبحت رسائل " sms " و " e-mail" أهم الوسائل التي يتم تبادلها بين العشاق فيما بينهم محولين هذا العيد ليس إلى عيد مادي فقط بل والكتروني أيضا .
لذا و بعد أن أصبح للحب هذا الوجه المادي البشع لا تستغرب حين تقرأ خبرا يؤكد أن "عيد الحب مع الحيوانات أفضل " فقد جاء ذلك في الاستطلاع العالمي المشترك لرويترز وابسوس, الذي شمل24 ألف شخص في23 دولة ،كشف أن21% من البالغين يفضلون قضاء عيد الحب مع حيواناتهم الأليفة بدلآً من أقرانهم.
الاستطلاع وجد أن 25% من الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن35 عاما اختاروا حيواناتهم الأليفة مقابل18% لمن تراوحت أعمارهم عن بين35 و54 عاما و14 في المئة لمن هم في سن55 فأكثر وانقسم الرجال والنساء بشكل متساو بشأن هذا السؤال.
وعلى أساس الدول كان سكان تركيا الأرجح في اختيار حيواناتهم الأليفة على أقرانهم أو شركائهم بنسبة49%.
وجاء في المركز الثاني الهند بنسبة41% ثم اليابان بعد ذلك بنسبة30% والصين بنسبة29% ثم الولايات المتحدة بنسبة27% ثم استراليا بنسبة25%.
رفضه الدين , نبذته الأخلاق و القيم الاجتماعية , استهجنته العادات و التقاليد الباااااااااا سلة, تمسك فيه العشاق والمراهقين , الباحثين عن بعضا من الحب في زمن اللاحب ,و الباعة و التجار و شركات الاتصالات , عليك أنت أن تقرر( مع أو ضد ) فإن لم تكن معنا فأنت حتماً ضدنا و بين مؤيد و معارض ضاع الحب و ماتت المشاعر وافترق العاشقان في الرابع عشر من شباط من العام نفسه لعدم اتفاقهما على تحديد ماهية الحب ففي حين اعتبره هو تقليعة جاءت من الغرب رافضا أن يكون للحب عيد و أن ٌيقدر بقيمة الهدية و عدد الورود الحمراء , اعتبرته هي بخيلا يتذرع بحجج واهية ....
و كل عام و انتم بخير مع تمنياتي للجميع بيوم ملئه السعادة و بعضًا من الحب إن أمكن .