لم تكن ظاهرة التحرش بالمعنى الشامل لها حكراً على فئة عمرية أو اجتماعية أو حتى مكان أو منطقة دون أخرى، ويحتل التحرش بالجنس الآخر المساحة الأكثر اتساعاً على رقعة هذا التعريف.
نقول التحرش بالجنس الآخر لأن البعض من الجنسين أصبح يمارس هذه «العادة» إزاء الجنس الآخر بأشكال مختلفة وبالطريقة المتاحة والميسرة للمتحرش، ولكي لا ندخل في متاهة هذه الألوان والأطياف المختلفة للتحرش وتصنيفاته المعقدة - بين تحرش عن بعد وهو معنوي (تلطيش) أي عبر الاكتفاء بإسماع الطرف الآخر الكلمات فقط، أو تحرش عن قرب (فيزيائي) عبر إلغاء «مسافة الأمان» التي يسعى كل شخص للحفاظ عليها بينه وبين الأشخاص من الجنس الآخر – سنكتفي بالتطرق إلى هذين الصنفين: المعنوي والفيزيائي بمعناهما المباشر، لأن التحرش لا ينحصر بهذين النوعين السابقين فقط، فالوسائل والمظاهر تعددت وإن اشتركت في آثارها... وإلى جانب «التلطيش» وإلغاء «مسافة الأمان» يتجلى التحرش باستخدام العينين وتحريك اللسان أو زم الشفتين أو بإشارة ما من اليدين.
كما أن لوسائل أخرى مكانها المخصص والمتجدد فجاء التحرش باستخدام الهاتف، والجوال مع أن هذا الأسلوب يأخذ تسمية الازعاج أكثر من صفة تحرش، وأصبحت المواقع الإلكترونية الاجتماعية على شبكة الإنترنت مرتعاً للمتحرشين والمتحرشات دون أن يخفي أي من الطرفين التلذذ بهذا الأمر.
وكذلك المدرسة والجامعة ومكان العمل، الحديقة، الشارع، وسائل النقل، و«أماكن الازدحام» أضحت مطارح للتحرش شئنا أم أبينا.. بعيداً عن القصص الكلاسيكية حول التحرش التي اعتدنا على سماعها وقراءتها دائماً إلى درجة اعتبارها مبتذلة أو أنها «عودة على بدء»، نجد أنه من الأفضل عدم إعادة سرد أقاصيص لحاق المتحرش بالمتحرش به... وكيف أنه تحين الفرصة المناسبة للاستفراد به ونهشه ليس لأن هذه المظاهر ليست بمشكلة وإنما بسبب ظهور أساليب وأصناف جديدة من الأفضل الإتيان على ذكرها. والأفضل من ذلك كله البدء بضرب الأمثلة.
في الشارع.. وأمام أعين الجميع
لم أكن أبداً لأصدق القصة التي حدثت مع مجموعة من الطالبات الجامعيات لولا أن إحداهن تربطني بها زمالة عمل روت لي أنه وبينما كانت مع مجموعة من زميلاتها في الجامعة قبل فترة يمشين في شارع العابد بمدينة دمشق توقفت سيارتان نزل منها مجموعة من الشبان المدللين بدؤوا بإسماعهن بعض الكلمات اللطيفة سرعان ما تحولت إلى كلمات نابية وتهديدات تطورت إلى درجة الإمساك بأيادي بعضهن لإجبارهن على الصعود بالسيارات أمام مرأى ومسمع جميع من في الشارع دون تدخل أحد من ذوي المروءة!.
هذا وصف بسيط وسريع للحادثة وليتخيل كل واحد منا بنفسه التفصيلات البشعة والشتائم التي حملتها صفحات هذه القصة المتسخة، ولنتأمل بجدية الأسباب التي دفعت هؤلاء الشبان الشاذين عن الطبيعة إلى التجرؤ لارتكاب مثل هذه الحماقة، ولنتساءل أيضاً عن الأسباب التي جعلت جميع من في الشارع مجرد مشاهدين لا دخل لأي واحد منهم بما حدث!.
ظاهرة اعتيادية برسم المسؤولين
من منا لم ير كل يوم سيارة تقف من دون سبب مقنع في مكان غير مناسب وبجانب فتاة ذنبها الوحيد أنها تنتظر إحدى وسائل النقل العامة لتقلها إلى مكان ما، ليأتي سائق هذه السيارة الذي يحمل أعلى درجات الوقاحة يدعوها للصعود معه بدافع «الشهامة»!.
تقول مجموعة من الفتيات التقينا بهن: إن الفتاة الواقفة وحدها في الشارع ستتعرض لهذه المضايقة حتماً، وأكدن أن كل فتاة تتعرض لمثل هذه المواقف تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها على ألا تعيش هذه اللحظات المخجلة التي تمر وكأنها ساعات ثقيلة يزيد في عبئها أن السائق الوقح غير آبه أبداً بالمجتمع الذي يحيط به وكأن سلوكه أصبح من المسلمات التي لا نقاش ولا دخل للأخلاق والعادات فيها. ولكي لا نبخس الموضوع حقه، يجدر القول إن البعض من المتحرشين يتمادون في سفاهتهم إلى درجة لا توصف من الرذالة تصل إلى لمس فرائسهم الأمر الذي يعتبر إهانة وأذية كبيرة بحق هذه الفتاة أو تلك وهو ما لا يجب السكوت عنه أو التساهل معه أبداً، وعلى جميع أفراد المجتمع العمل على محاربته حتى قبل أن يتطور ليصل إلى هذه الدرجة التي لا تحتمل.
أما التلطيش فهو يتنوع بين الكلام المضحك أحياناً وهو ما لا تمانع معظم الفتيات سماعه مادام يثير العجب أو الضحك، وبين الكلام البذيء الذي لا ينبع إلا من أناس فاقدين لأدنى درجات الإنسانية التي يتطلبها الولوج في المجتمع، وتجتمع التحليلات على أنهم غالباً ما يعانون من كبت شديد يؤدي بهم إلى فقدان الصواب والانضباط ضمن الوسط المحيط.
قصص عن المتحرشات
وصلت الدراسات بتعريف التحرش على أنه سلوك غير لائق له طبيعة جنسية يضايق الشخص أو يتسبب بعدم شعوره بالأمان، ولكن التعريف هنا يختلف في حال كان صادراً من الجنس اللطيف فهو في هذه الحالة يبقى غير لائق ولكنه لا يتسبب بشعور الرجل بعدم الأمان فحسب وإنما يجعله في حالة من الاستغراب الشديد وأحياناً يضعه في الخوف والقلق.
ما أن يتم التطرق إلى مسألة التحرش حتى ينبري الجميع بالحديث عن تحرش الذكور بالجنس اللطيف وهذا مسوغ بالتأكيد لأنه غالباً ما يصدر من قبل الطرف الأول صاحب الباع الطويل في هذا السلوك. ومادامت دوافع هذا التحرش «دوافع جنسية» في أساسها فإن ذلك لا يعصم أياً من الجنسين عن التجرؤ للقيام بذلك لأسباب ليس من المستحسن ذكرها!
في الماضي والحاضر يزخر التاريخ بقصص التحرش والإغواء التي مارستها المرأة إزاء الرجل، قصص خلدها التاريخ والبعض منها مر دون أي ذكر لها. بينما كنا نقضي السهرة في منزل أحد الأصدقاء دخل صديق إلى مكان وجودنا، وقبل أن يلقي السلام والتحية صرخ بأعلى صوته أنه سيقوم يوماً ما بكتابة مقالة صحفية مستوفية تفاصيلها حول تحرش الجنس اللطيف بالذكور. وتتلخص قصته على الشكل التالي: صعدت إحدى الفتيات إلى جانبه في مقعد الميكروباص فبدأت حديثها معه بسؤاله عن الوقت وأنها تأخرت عن موعدها، وعندما سألها – من داعي اللطافة - عن هذا الموعد سرعان ما استبدلت الفتاة لغة الحديث الشفهي بلغة الجسد المخجلة، لغة لم تكف مفرداتها عن الالتصاق به وتلمس بعض الأماكن القريبة من أماكن حساسة في جسد صديقنا المسكين القابع في كرسيه الضيق، فقفز من الميكروباص عند أول موقف مع أنه كان بعيداً مئات الأمتار عن نقطة وصوله. امتلأت الغرفة بالضحك الجنوني واحمر صديقنا خجلاً وسوغ ذلك بأنه فضل النزول (الهرب) على أن تبادره هذه «المتحمسة» بتهمة قد تودي به إلى المجهول. وبصراحة بقي هذا الصديق لثلاثة أيام متتالية فاقداً صوابه مستغرباً هذه الحادثة العجيبة، وهو اليوم لا يخفي ندمه على عجلته غير المسوغة وذلك بعد أن قمنا بإقناعه أنه كان مخطئاً ومستعجلاً بعض الشيء في هربه.
ما إن فرغ الصديق الذي تعرض للتحرش من إحداهن حتى بدأ الآخرون ممن كانوا حاضرين بالحديث والتأكيد أن هذا الأمر يحصل مع بعضهم من حين لآخر، وسرد أحدهم أن إحدى السيدات التي تجلس خلفه في الميكروباص قامت بتلمس كتفه عمداً مستغلةً خلو المقاعد الخلفية من الركاب، فالتفت إليها ببطء حذر لتعرب هذه السيدة بعد ثوان من الصمت المخجل أنها حركة عفوية وعن غير قصد. والأنكى من ذلك أنه بقي مقتنعاً أنها حركة عفوية حتى أعاد حساباته من جديد ليتقين من أن هناك حماقة ارتكبتها هذه السيدة. وسارع أحدهم ليؤكد أن التحرش الذي مارسته عليه زميلة له في العمل طوال أشهر عديدة تحول عند تجاوبه معها إلى شكوى ودموع وبكاء من قبل هذه المتحرشة فوضعته في موقف محرج للغاية، وأكد أنه بعد مضي فترة من الزمن على الحادثة عادت المتحرشة لسلوكها من جديد ولكن بأسلوب آخر تجلى في طلبها منه أن يقدم لها بعض الدروس الخصوصية خلال أوقات فراغه في مكان العمل.
هدم للمجتمعات
أياً كانت دوافع أو مسببات التحرش فإنه بمنزلة هدم يومي ومستمر لأخلاقيات المجتمعات ولاسيما عندما تتسارع وتيرته وتتسع رقعته ليصل إلى درجة الخطر كما حصل في أحد المجتمعات العربية المجاورة. وهنا يجب على كل جهة أن تأخذ مهامها في التوعية والتحذير من مخاطر اتساع الرقعة كما تطالعنا يومياً قصص وحكايا الناس اليومية بهذا الصدد.
وأزعم أن للأسرة دوراً كبيراً في اقتلاع جذور هذه الظاهرة يأتي بعدها دور المعلم في المدرسة، وتستكمل جوانبها سلطات رقابية تحدد العقوبات الصارمة لهذه العادة.