والآن بدأت مرحلة فك الطلاسم، أو على الأقل إعادة تركيب الصورة، بعدما نجح وزير الإعلام والثقافة السعودي عبد العزيز خوجة، من خلال لقاء طويل و«عميق» و«متشعب» (ومركز في آن) مع رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، في الحيلولة دون حصول تدهور دراماتيكي إضافي في المشهد السياسي.
وفي حين انهمكت المراجع السياسية في التعامل مع تداعيات المواقف الجنبلاطية، بدأت تطفو على السطح مخاوف من تصعيد اسرائيلي ميداني، أو على شكل انذارات إلى الحكومة اللبنانية والى «حزب الله»، وبعدما ذكر أكثر من مصدر دبلوماسي ان حكومة بنيامين نتانياهو تتجه إلى إثارة موضوع امتلاك «حزب الله» صواريخ مضادة للطائرات، مع وضع لبنان امام خيارات بالغة الحساسية.
وأخذت تلك المخاوف بعداً شديد الدقة، مع تحذير القيادة الشمالية في الجيش الاسرائيلي من «ان الاستقرار والهدوء بين لبنان واسرائيل في خطر وقد ينفجر في أي لحظة إزاء ما وصل إليه «حزب الله» من تعزيز لقدراته العسكرية».
اضافت، على لسان آلان فريدمان، «أن اخطر ما في الأمر هو حصول «حزب الله» على صواريخ كتف قادرة على اصابة طائرات ومروحيات سلاح الجو، خصوصاً تلك التي تواصل مهمتها في التحليق فوق الاراضي اللبنانية لضمان مراقبتها ورصد تحركات «حزب الله» فيها».
وقد بدأت التصريحات الاسرائيلية ترخي بظلها على المشهد السياسي الداخلي في لبنان، في وقت تعذر معه معرفة موعد عودة رئيس الحكومة سعد الحريري من «اجازة التفكير» في جنوب فرنسا، خصوصاً ان الصورة لم تتبلور بشكل نهائي، إذ ان توضيحات النائب جنبلاط في القصر الجمهوري بدت في نظر بعض مسؤولي تيار المستقبل «نصف توضيحات»، ومع التأكيد ان تداعيات 7 أيار - مايو 2008 تعني كل قوى 14 آذار وليس قوة أو طائفة بعينها.وأبدت أكثر من جهة سياسية هواجسها من أن تطول فترة التأليف، وان كانت المساعي قد نشطت على أكثر من صعيد، بدءاً من رئيس الجمهورية ميشال سليمان لإعادة الأمور إلى سياقها الطبيعي.
جنبلاط توجه إلى قصر بعبدا تحت شعار «إخراج البلاد من عنق الزجاجة»، واختار ذلك المنبر للـ «توضيح»، والغاية هي «التخفيف من التأويلات والتأويلات المضادة والتحليلات والتحليلات المضادة. وقد قلت بالحرف إن تحالفنا، تحالف 14 آذار، لا يمكن أن يستمر. وهذا لا يعني الخروج، بل يعني إيجاد شعارات جديدة، فالشعارات التي ناضلنا من أجلها السيادة والحرية والاستقلال. الاستقلال تم السيادة لم تتم بعد لأنه لاتزال هناك مزارع شبعا وتلال كفر شوبا محتلة، أما بالنسبة للحرية، أعتقد أنه ليس هناك نظام يقمع الحريات في لبنان».
وسأل: «ما هي 14 آذار؟» يجيب: «انها تنوع أحزاب وشخصيات ولكل أدبياته ولكل ثقافته، وربما صادف مؤتمر الحزب مع تشكيل الحكومة، فأسيء التفسير، وظن البعض والرئيس المكلف انني تخليت عنه، أنا لم أتخل عنه وفاء لرفيق الحريري ولصداقتي مع سعد الحريري وللجهود الجبارة التي يقوم بها الرئيس سليمان للوصول إلى صيغة حكومية توافقية، شراكة كما اتفقنا».
أضاف جنبلاط: «ولكن عدت إلى أدبياتي في الحزب، وأعلم انني عدت إلى القرن العشرين أو إلى منتصف القرن العشرين، وأعلم ان بعض معطيات آنذاك انتهت. الأمور والأحداث والعالم تتغير. ولكن اعذروني وليعذرني اللبنانيون إذا قلت شيئاً، للجبل الدرزي خصوصية معينة وللحزب (التقدمي) الاشتراكي خصوصية معينة، ولا يمكن ولا خلاص للحزب والدروز إلا من خلال الالتصاق بالعروبة وفلسطين».
وقال: «هذا هو رأيي، وأعلم اليوم ان كلمتي «عروبة» و«فلسطين» لم تعودا، مع الأسف، موجودتين في قاموس العالم العربي إلا عند البعض، ونرى ما يجري في فلسطين من تقسيم، وان كلمة «عروبة» أصبحت عملة نادرة، لكن حمايتنا كدروز وكحزب اشتراكي هي فلسطين والعروبة، وطبعاً العودة، لاحقاً، إلى ثوابت اليسار، طبعاً لا يمكن للمرء أن يعود إلى اليسار الا ويجدد هذا اليسار، هذه كانت رسالتي في مؤتمر الحزب على ألا تفسر تفسيرات مختلفة كي يأتي البعض ويقول عطلت تشكيل الحكومة، انا لم أعطل. سأبقى احترم إرادة الناخبين الذين أفرزوا ما يسمى اقلية وأكثرية، ولكن في الوقت نفسه، كما فهمت من رئيس الجمهورية ومن الرئيس المكلف هناك مشروع مهم جدا، وهو تأليف حكومة شراكة وطنية».
وما إذا كان توقيت مواقفه أربك الصيغة الحكومية (15 - 10 - 5)، قال: لا، لا، ان التوقيت أتى ليربك وأتيت هنا لأوضح. ان الكلام أسيء تفسيره... وأقول مجددا لرفاقي في 14 آذار انجزنا الكثير الكثير، ولا بد من رؤية جديدة، ولا بد ايضا، وكما احترم خصوصيات البعض، أن يحترموا خصوصيات الحزب والدروز».
وما إذا كانت قد انقطعت خطوط التواصل بينه وبين رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، قال جنبلاط: «لنعد إلى الأساسيات، هذه هي رسالتي اليوم من بعبدا، من عند فخامة الرئيس الى الشيخ سعد الحريري، اننا على الثوابت في تشكيل الحكومة، ولكن فليحترم حلفائي الخصوصيات التي سبق ان ذكرت، وأذكر ان كل ما أفعله وسأفعله كان وسيبقى لمعالجة رواسب السابع من أيار/ مايو» (2008، اي العملية العسكرية ل «حزب الله» في بيروت والجبل).
ومن القصر الجمهوري أيضا، وعقب لقاء الأربعاء مع الرئيس سليمان، أبدى رئيس المجلس النيابي نبيه بري استغرابه ردا على سؤال حول امكانية اعتذار الرئيس الحريري، قائلا: «شو هالحكي».
3 كلمات في قصر بعبدا، وكلام اكثر في ساحة النجمة حيث لقاء الأربعاء مع النواب الذين استوضحوه حول آخر أخبار الساحة السياسية، فقال ان موقف جنبلاط ليس مفاجئا اذ «منذ ما قبل الانتخابات، والاستاذ وليد جنبلاط يطالب 14 اذار/ مارس بمجاراته في العودة إلى مبادئه المتعلقة بالعروبة أو فلسطين أو الخ...».
وتابع: «أنا أفهم ما قام به الأستاذ وليد، ان ما يهدف إليه هو المزاوجة بين 8 و14 اذار/ مارس، وإزالة هذا الشرخ العمودي الذي كان قائما قبل الانتخابات».
وقال رئيس المجلس: «نحن عبرنا عن ذلك بحكومة وحدة وطنية وشراكة حقيقية، فعلها أبو تيمور بحركة موفقة ينتقل فيها الى موقع وطني هو بحاجة فيه للجميع والجميع بحاجة إليه، وأنا أعتقد شخصيا ان هذا الأمر يجب ان يسهل قيام الحكومة وايجاد حالة سكينة في التعاطي مع التأليف».