فعلها رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري وقدم تشكيلة خطية مطبوعة الى رئيس الجمهورية، ليرتكب بذلك، سابقة سياسية ـ دستورية غير مسبوقة لا بعد الطائف ولا قبله، عندما كان رئيس الجمهورية يتحكم إلى حد كبير بتأليف الحكومات.
فعلها رئيس الحكومة، ربما بضوء أخضر من الخارج، ورمى كرة نار أزمة تأليف الحكومة الأولى بعد الانتخابات النيابية، بين يدي رئيس الجمهورية في مقره الصيفي في بيت الدين، وعاد إلى قصر قريطم، متنفسا الصعداء، وتأكد بالتالي للبنانيين أنهم عندما يملكون القدرة على إنتاج حكومة لبنانية مئة بالمئة، يكونون عاجزين عن فعل ذلك، ويعود حنينهم الى دور ما للخارج، شقيقا أو صديقا أو غريبا لتحديد مصائرهم.
فعلها رئيس الحكومة، وأمسك بالسقف الزمني ـ السياسي الذي حدده له رئيس الجمهورية لتقديم تشكيلة حكومية قبيل سفره الى الأمم المتحدة، ورفع المسؤولية عن نفسه، بعد سبعين يوما من المشاورات البطيئة والمناورات و«الفرص الضائعة»، بحيث جاءت التشكيلة المرفوعة لرئيس الجمهورية، مفروضة من جانب واحد، على صعيد الحقائب والأسماء، ولو أنها احترمت الصيغة السياسية، أي 15+10+5.
فعلها رئيس الحكومة، وقرر أن يعطي ما يعتقد أنه هو الأنسب للمعارضة، من حقائب، ولم يكتف بذلك، بل قرر أن يسمي اسماء وزراء المعارضة، ليحول الحكومة إلى مشروع فتنة، داخل البيت الواحد وبين قوى المعارضة وبين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي وبين بعبدا والرابية.
فعلها رئيس الحكومة، وبدت سفيرة الولايات المتحدة ميشيل سيسون، استنادا إلى من التقوها، أمس، منشرحة، لما أسمته «التصرف الديموقراطي» لرئيس الحكومة، خاصة أنها كانت قد عبرت عن كبير اعتراضها منذ أكثر من أربعين يوما، على الصيغة السياسية أولا وعلى قرار الرياض بالانفتاح على دمشق، بما في ذلك «إلزام» رئيس الحكومة المكلف بزيارة دمشق بعد التأليف!
فعلها رئيس الحكومة، وقام بدعسة ناقصة، بدليل أن المسار الذي ستسلكه الأمور بعد خطوة الأمس، صار واضح المعالم: المعارضة تركت لرئيس الجمهورية أن يتصرف كما نص الدستور، وتحديدا في مادته الثالثة والخمسين (الفصل الرابع، تحت بند السلطة الإجرائية، أولا: رئيس الجمهورية)، وتضمنت في فقرتها الرابعة الآتي: يُصدر (رئيس الجمهورية) بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء أو إقالتهم.
فكيف سيتصرف رئيس الجمهورية؟
بدا رئيس الجمهورية مربكا، إذ إنه قام على مدى الأيام العشرة الماضية بسلسلة استشارات سياسية ودستورية وقانونية، تحت عنوان محاولة تحريك المياه الراكدة في بركة التكليف والتأليف. وكان رأي معظم من استشارهم أنه لا بد من محاولة إلزام رئيس الحكومة المكلف بسقف معنوي، لكن الحكومة لن تولد إلا بالتوافق، ومسؤولية رئيس الجمهورية هي محاولة تعطيل الألغام وبالتالي صياغة تسويات تكون مقبولة من الجميع... وكل ذلك تحت سقف أن رئيس الجمهورية لن يوقع إلا على مرسوم تأليف حكومة توافقية.. فالحريري قام بواجباته والباقي علينا.
فهل ما قدمه الحريري تنطبق عليه المواصفات الرئاسية؟
من وجهة نظر المقربين من القصر الجمهوري، أريد للتشكيلة الحريرية، بمعزل عن بعض التعبيرات الخاطئة التي استخدمها رئيس الحكومة، وخاصة لجهة قوله انه سلم تشكيلة وينتظر رد رئيس الجمهورية عليها... الخ،. أن تشكل هذه المسودة مادة تفاوض بين رئيس الحكومة المكلف والمعارضة، بحيث يصار إلى تعديل حقيبة من هنا أو هناك، أو تعديل اسم من هنا أو هناك، لكن تكون للمرة الأولى هناك ركيزة للأخذ والرد، بدلا من من انتظار صيغة متكاملة لا يبدو أنه سيصار غالى التوافق عليها في ظل الواقع الراهن...
ولعل رئيس الجمهورية لم يحسب الأمور جيدا، بحيث تحول السقف المرفوع (السفر الى نيويورك) ذريعة من أجل حشر مقام الرئاسة، بتشكيلة إذا لم يؤخذ بها، أو العكس، فهناك ثمن لا بد من دفعه، بينما لا قدرة لرئاسة الجمهورية أن تدفع من رصيدها التوافقي. وهكذا رمى الحريري كرة النار
الملتهبة بين يدي رئيس الجمهورية، تاركا له أن يتحمل المسؤولية حول توقيع التشكيلة أو رفضها، حتى يقول بعدها انه قام بواجباته و«ضميره مرتاح».. والباقي عند رئيس الجمهورية و«لديه حقه الدستوري» بالقبول أو عدمه، و«أنا سأنتظر حتى الغد (اليوم) أو حتى الوقت الذي يريده كي يبلغني ما اذا كان سيوقع المرسوم أم لا».
ماذا إذا لم يوقع رئيس الجمهورية؟ تجيب أوساط مقربة من رئيس الحكومة المكلف بأنه سيعتذر، وعندها تتجه الأمور مجددا نحو استشارات نيابية ملزمة وتكليف جديد للحريري، رافضة الخوض في موضوع تثبيت الصيغة أو الإتيان بصيغة جديدة.
في مقلب المعارضة، انقطعت المشاورات مع الرئيس المكلف، وتوجه المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري الى بيت الدين وأبلغ رئيس الجمهورية موقف المعارضة الموحد، برفض مبدأ الاطلاع على التشكيلة، لأن ما ما حصل يتناقض وطبيعة النظام الديموقراطي وصيغة الشراكة في حكومة الوحدة الوطنية المنوي تأليفها. وحثّت المعارضة رئيس الجمهورية على تحمل مسؤولياته الدستورية والوطنية. وبمعنى آخر، ألا يبادر الى توقيع المسودة الحريرية.
وحتى ساعة متأخرة ليلا، عقدت لجنة المتابعة لقوى المعارضة اجتماعا في منزل الوزير جبران باسيل في الرابية شارك فيه كل من الحاج حسين خليل والنائب علي حسن خليل، وتقرر في ختامه أن يتوجه الثلاثة صباح اليوم الى قصر بيت الدين من أجل اعادة تثبيت موقف المعارضة الرافض مبدأ التفاوض حول ما قدمه رئيس الحكومة المكلف، مع عرض الأسباب الموجبة لذلك، ومنها ما يتعلق بصلاحيات رئاسة الجمهورية، حيث سيصار الى تظهير ذلك للاعلام.
وما إن صدر اعلان الحريري من بيت الدين، عن تقديمه التشكيلة للرئيس ميشال سليمان، حتى شن العماد ميشال عون، عبر الهاتف، من مقر اقامته في الخارج، هجوما عنيفا على الرئيس المكلف، معتبرا أنه «يتسلى ويعقد الأمور بدلا من حلها»، ووصف ما قام به بأنه «اعتداء»، وشاركه في الرأي النائب سليمان فرنجية الموجود في الخارج أيضا، حيث قال لسائليه «ما جرى قلة أخلاق وبعيد كل البعد عن القيم والأصول الديموقراطية في لبنان».
وصدر موقف مشترك لتكتل التغيير والاصلاح والتيار الوطني الحر وحزب الطاشناق والحزب الديموقراطي (طلال ارسلان)، رفض الصيغة.
وفيما التزم رئيس مجلس النواب نبيه بري الصمت، حيث من المقرر أن يزور رئيس الجمهورية غدا، في اطار لقاء الأربعاء النيابي، أكد الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله ان المعارضة ستتصرف مع التدبير الجديد غير المناسب للرئيس المكلف «بتضامن كامل»، وأكد في افطار للهيئات النسائية في «حزب الله» ان من حق كل كتلة نيابية ان تسمي الوزراء والحقائب، معتبرا ان الطريقة التي استخدمها الرئيس المكلف لن تحل الأزمة بل ستزيدها تعقيدا، موضحا ان الطرف الآخر لم يقدم أي تنازلات منذ بداية البحث في تشكيل الحكومة، وهذه الطريقة غير مناسبة.
وقال نصر الله «طول عمرها الحكومات في لبنان تشكل ولم يكن هناك لا شرط ولا قانون ولا عرف يقول بعدم توزير الذين لم ينجحوا في الانتخابات، ألا يعتبر وضع شرط عدم توزير الذين لم ينجحوا في الانتخابات تعطيلاً وعرقلة لتشكيل الحكومة اللبنانية؟ أليس هذا عرقلة وتعطيلاً على الأقل، مع العلم بأنه في الحكومة الحالية، حكومة الوحدة الوطنية، هناك أشخاص سقطوا في الانتخابات الماضية وتم توزيرهم، وهنا أشخاص سقطوا في الانتخابات الماضية وكانوا مرشحين جديين لرئاسة الجمهورية ولم نسمع هذا المنطق»!
وأكد نصر الله أن الجانبين السوري والإيراني مع تأليف الحكومة، لكن لا نعلم ما هو موقف السعودية ومصر وواشنطن من التأليف؟
على صعيد قوى الأكثرية، ساد جو من الارتياح معظم أطياف فريق الرابع عشر من آذار، باستثناء النائب وليد جنبلاط الذي كان متهيبا الموقف، وداعيا الحريري الى مزيد من التشاور مع قيادة المملكة العربية السعودية قبل الإقدام على خطوته، وهو أوفد الوزير غازي العريضي فجر أمس، الى الرياض، بعد أن كان أوفده بعيد منتصف ليل الأحد ـ الاثنين الى قريطم للتشاور مع الحريري من دون الوصول الى نتيجة حاسمة.
وقال النائب جنبلاط لـ «السفير» انه يرحب بخطوة الحريري إذا كانت تحت سقف التوافق والوحدة الوطنية وعلى قاعدة 15+10+5، وهذا هو في الأساس توجه الرئيس المكلف. وأشار الى ان الحريري شعر بأنه يراوح في مكانه، فاقترح إعادة توزيع الحقائب بحثا عن مخرج، ويبدو أن جزءا من المشكلة هو في الحقائب السـيادية.
وأبدى أسفه لكون البعض في لبنان لا يلتقط التطورات الاقليمية وخطورتها، متوقفا في هذا السياق عند تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان في أفريقيا، الذي اعتبر فيه ان القضية الفلسطينية ماتت، ورأى جنبلاط ان هذا الكلام يدق آخر مسمار في نعش ما تبقى من مبادرة عربية، مشددا على أهمية التنسيق السوري ـ السعودي لتحصين الوضعين اللبناني والعربي، لكن يبدو ان هذا التقارب ممنوع من بعض الاوساط الأميركية والعربية.
ودعا جنبلاط الى الإسراع في تشكيل الحكومة وعدم الغرق في التفاصيل الصغيرة، لعلنا نخفف من التـأثير الخارجي علينا، معتبرا ان مبادرة الحريري ربما تعطي أفقا جديدا للخروج من حالة الركود، ما دامت تحترم مبدأ الشراكة والوحدة الوطنية.
وحذر جنبلاط من ازدياد الضغط على لبنان وسوريا والمقاومة، ما يتطلب حماية الطائف والسلم الاهلي والعلاقات المميزة مع سوريا وما تبقى من تقارب عربي ـ عربي، وتحديدا سورياً ـ سعودياً، معربا عن قلقه من نجاح السياسة الاسرائيلية في تصوير إيران مصدر الخطر، ومنبها الى احتمال حصول مغامرة ضد ايران وصولا الى لبنان.
وعلمت «السفير» أن جنبلاط سرب الى قيادة المعارضة مجتمعة موقفا مفاده أنه مستعد للتنازل عن وزارة الاتصالات لمصلحة «التيار الوطني الحر» وتحديدا للوزير جبران باسيل، لكنه تمنى عدم تظهير موقفه لئلا يثير حفيظة الرئيس المكلف، على أن تبقى وزارة الأشغال من حصة الوزير العريضي بدلا من الاتصالات