يقف الزعيم النازي وسط قادته الذين اجتمعوا حوله ليخبروه بتوقعهم الهزيمة في نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا هو المشهد الأصلي من الفيلم الشهير الذي يتناول حياة الزعيم النازي.اما بعد الحرب الاعلامية المستعرة بسبب مباراة مصر والجزائرن فأصبح كما يلي:
قائد عسكري الماني يملأه الرعب يوجه حديثه إلى الفوهرر اثناء اجتماع مجلس الحرب: لم يخسر المنتخب المصري أي معركة منذ موقعة البليدة، وهم يحسبون الان عدد ما سيحرزونه من أهداف في مرمانا ليصعدوا عبرنا للمونديال .
هتلر يحاول ان يبدو متماسكا: لا تقلقوا انهم يعانون من اصابات كثيرة، ومش هيقدروا يغلبونا.
القائد العسكري بصوت متحشرج: اخشى يا سيدي الفوهرر انهم جميعا عادوا من اصاباتهم. كما ان المهاجم محمد زيدان قد يشارك ايضا.
الفوهرر يبدو غير مصدق، بينما ترتعش يداه وهو يخلع نظارتيه، قبل ان ينفجر غاضبا بأسلوبه الهستيري الشهير: كله الا زيدان. لا يمكن ان يلعب. ده عامل شغل خطير في المانيا،وبيلعب كويس مع ابو تريكة، ده جاب جونين في البرازيل يا عم الحاج.
ويستمر الفوهرر بلهجته المصرية الساخرة في بث الرعب في نفوس المشجعين الجزائريين، ردا على فيديو جزائري انتشر على اليوتيوب، من فيلم 'قلب شجاع' جعل من المنتخب المصري (جيش الاعداء) الذي يجب سحقه. ' الجزائريون يكرهون المصريين، ويحقدون على كل ما هو مصري، هذا ما اظهرته المباراة' يقول اعلامي مصري، وينتشر على اليوتيوب ليستدعي تعليقات نابية من الجانبين تنحدر إلى مستوى صادم. 'المنتخب المصري ليس سوى مجموعة من القتلة' تقول صحيفة جزائرية. 'المشجعون المصريون سيتآمرون بالتسلل بين المشجعين الجزائريين، ليقوموا بأعمال عنف تؤدي لمعاقبة الفريق الجزائري' تتوقع صحيفة اخرى.
اتحاد الكرة المصري يستأجر شركة امنية خاصة لحفظ الامن في المباراة' لماذا لانطلب قوة تدخل سريع من حلف الاطلسي مدعومة بسربين من طائرات الاباتشي واللهو الخفي اوالشبح سابقا'، ويعلن خشيته من طوبة ضالة تنطلق كصاروخ باليستي من مشجع مصري لتستقر في رأس الحكم او قفا لاعب جزائري، وتكون بمثابة (كرسي في الكلوب) عشان (تضلمها) وبعدين تبدأ المواجهة الحقيقية في المدرجات، ليتحول ستاد الرعب (القاهرة سابقا) الى (مقبرة للغزاة) كما كتبت قناة فضائية مصرية بالخط العريض و(نوريهم) كما يتوعد إعلان يذاع في القناة الفضائية الرسمية. قداسة البابا شنودة (بجلالة قدره) يقرر تقديم موعد الاحتفال السنوي المهيب للكنيسة بذكرى جلوسه على الكرسي البابوي ليكون مساء الجمعة بدلا من السبت (لانه يخشى من عدم حضور احد يوم السبت المحجوز بالكامل لموقعة القاهرة كما يسميها انصار محاربي الصحراء..حصلنا الرعب) وسيصلي خلال قداس يقام صباح السبت ليفوز منتخب الفراعنة. اعضاء الحكومة ومؤسسات الدولة المصرية يتضامنون مع الشعب في يوم للعصيان المدني الشامل يوم السبت، الذي ستخلو فيه شوارع القاهرة من حتى من (سريخ ابن يومين)، ولو تكرر هكذا عصيان في يوم اخر لأسباب سياسية لسقط النظام خلال ساعات.
إعلام مصر التي رفعها أبطال تحرير الجزائر، تحرق في شوارع الجزائر بعد نصف قرن، واغان تاريخية يذيعها التلفزيون المصري لتحريض الجماهير استعدادا للموقعة (رغم انها كتبت اصلا للاحتفال بالانتصار على اسرائيل في حرب اكتوبر التي شارك فيه الجيش الجزائري إلى جانب إخوانه المصريين). لا يمكن ان تكون هذه مجرد مباراة كرة قدم .انها حرب إعلامية نفسية عنصرية- سياسية تستخدم كل 'اسلحة الدمار الشامل' التي توفرها كل وسائل الاعلام والاتصالات الحديثة، ولابد ان لها أبعادا اكثر تعقيدا.
محللون نفسيون اعتبروا انها تعبر عن حالة من الاحباط العميق والضيق واليأس بين الشباب في البلدين ، إلى جانب حالة من الفراغ السياسي. اذ لا يوجد مشروع قومي، سياسيا كان ام اقتصاديا، يستوعب كل هذه الطاقات والرغبات المكبوتة في اثبات الذات امام الاخرين.
وآخرون رأوا انها انعكاس طبيعي لخصائص الشخصية الوطنية في الجانبين، فالجزائري المتهم بحدته وعنفه وقسوته عندما يتعلق الأمر بـ'النيف' أي الكرامة، يعبر بطريقته عن ' عقدة الشقيقة الكبرى' التي تستأثر بالتاريخ والحاضر والفن والسياسة والثقافة، وتريد ان تضم الرياضة إليها.
اما المصري المتهم بالمبالغة والفهلوة والانغلاق على الذات فيستغرب ان يحاول احد منازعته مكانته اصلا ، ويوظف قدرته المعروفة على السخرية و'التريقة' في مواجهة التحدي، مستفيدا من ماكينة اعلامية ضخمة، لكنها منقسمة على نفسها ومشغولة بحرب اهلية بعض معاركها دون المستوى، وقد يتصدر (ابطالها) طابور المتهمين في حال فشل المنتخب المصري في التأهل.
اما المراقبون السياسون فهالتهم مشاعر الارتياح التي تجمع بين النظامين الحاكمين في مصر والجزائر تجاه هذه الهستيريا الاعلامية التي اعفتهم من جدال سياسي محرج حول التوريث والفساد والبطالة وقوارب الموت، وغيرها من الكوارث التي لم تعد تجد مكانا في وسائل الاعلام بسبب المباراة.
اما 'اليوفوريا'او الفرح الزائد تجاه هذه الحرب بين الأشقاء فيمكن العثور عليها بسهولة في وسائل الاعلام الاسرائيلية التي دخلت على الخط، فنشرت تصريحات كاذبة لكابتن المنتخب المصري يسيء فيها للجزائر (شعللها شعللها) ،وعندما كذبها لم تنشر التكذيب طبعا. إلى جانب مقالات اسرائيلية (تخر شماتة) تسخر من مدى هشاشة ما يسمى بالتضامن العربي، إلى آخره من الشعارات. ولا يكتمل المشهد دون التنويه بأصوات قليلة عاقلة (في البرية) من الجانبين ضاعت وسط كل هذا العبث.