في أحد اللقاءات المتلفزة مع إحدى القنوات الفضائية الخليجية، وقبل انطلاق نهائيات الأمم الآسيوية قال رئيس اتحاد كرة القدم: إنه واتحاده يتحملان المسؤولية كاملة، مسؤولية النجاح ومسؤولية الفشل في مشاركة منتخبنا الوطني في دوحة آسيا 2011.
وعندما تم التعاقد مع المدرب الروماني تيتا قبل شهر من الآن، لم يتحمل تيتا المسؤولية ولم يحملها له أحد، وقال: سأبذل قصارى جهدي في البطولة، وأعتقد أنه قدم كل ما عنده، وهذه إمكانياته.
اليوم وبعد خمسة عشر يوماً على اللقاء التلفزيوني الأول يتنصل رئيس اتحاد كرة القدم من مسؤولياته في حديث تلفزيوني مع إحدى القنوات الفضائية المحلية، فارضاً لغة التبرير وسياسة السين وسوف.
ولأن هذه اللغة (موضة قديمة) فقد واجهها الجمهور الرياضي بالاستنكار والدهشة والاستغراب رافضين استخفاف عقول الناس، واللعب بعواطفهم ومشاعرهم وفوقها التمسك بمناصبهم دون أي فائدة مرجوة تعود على كرتنا الوطنية.
ففي لغة التبرير، أرجع رئيس اتحاد كرة القدم فشل منتخبنا بتجاوز الدور الأول إلى النحس الذي لازمه، فأخطاء الحكام سببت الخسارة أمام اليابان، وخطآن دفاعيان سببا الخسارة أمام الأردن.
وهذه هي عادتنا دوماً مع كل خسارة ومع كل فشل، نحمله للظروف وللآخرين، ونتناسى مجمل الأخطاء الكبيرة التي وقعنا بها قبل وأثناء البطولة.
وفي لغة السين وسوف قال: سنضع خططاً للمستقبل، وسنعمل بعلم، وسنبحث المشاركة، وسوف نبحث عن الإيجابيات ونعززها، وسوف نبحث عن السلبيات ونعمل على معالجتها، وهذه السين وسوف التي مللناها مع كل فشل، لا نفهم منها إلا أنها إبر مخدرة لتجاوز الأزمة الكروية والفشل الذي حققناه في مشاركتنا الآسيوية.
المسؤولية
عندما تحمل رئيس اتحاد كرة القدم المسؤولية كاملة، فهمها جمهورنا الرياضي، أنها صادقة وهذا يعني أن الاستقالة أقل رد فعل سيقوم به واتحاده بعد هذه المشاركة المخيبة والنتائج السلبية، كما فعل السعوديون الذين قالوا سنعمل، ولكن ليس بنفس الوجوه والأفكار التي حققت الخيبة والفشل، وأثبتت عدم قدرتها على التطوير.
لذلك وجدنا الجماهير الرياضية قد بدأت حملات المطالبة باستقالة اتحاد كرة القدم ومحاسبته عبر المواقع الإلكترونية والمنتديات وبعض وسائل الإعلام وأعتقد أن الاستجابة لمطلب الشارع الكروي أمر حق كنتيجة طبيعية لما حصدناه في قطر.
الأغرب من ذلك أن رئيس اتحاد كرة القدم رفض مبدأ الاستقالة، ومجرد التفكير بها، معتبراً أن استقالته واتحاده ليست حلاً، وأن من يطالبه بها ليس غيوراً على مصلحة البلد، وهم مرتبطون بقنوات لا تملك الغيرية الوطنية.
الغيرية الوطنية
في أكثر من لقاء إعلامي اعتبر رئيس اتحاد كرة القدم أن كل منتقديه لا يملكون الغيرية الوطنية، أي إنه يتهمهم بالخيانة الوطنية، وإنه لخص الوطنية بالانتماء لشخصه ولاتحاده، وهذا أمر مرفوض ويستنكره الجميع، ويجب محاسبة رئيس اتحاد كرة القدم على هذه التهم التي يوجهها لبعض وسائل الإعلام ولجمهور كرتنا الذي انتقد عمله وعمل اتحاده.
ونحن في «الوطن» لا نتهم أحداً في وطنيته، وقد أثبت الجميع حبهم لوطنهم من خلال التفاعل الإيجابي الكبير مع المنتخب وهي حالة وطنية كرستها وسائل الإعلام، وكرسها جمهورنا الكبير الوفي من خلال دعمه ومؤازرته وتشجيعه لمنتخبه داخل وخارج القطر.
وكل ما يهمنا تسليط الضوء على العمل، فنتكلم عن مواطن الخلل والضعف، وعن الثغرات والعقبات، في حالة نقد بناء ايجابي، لقناعتنا أن وسائل الإعلام شريك رئيسي في عملية البناء الرياضي من خلال كشفها للسلبيات على أمل معالجتها.
تصريح غريب
التصريح الغريب الذي أدلى به رئيس اتحاد كرة القدم في اللقاء ذاته مع إحدى القنوات الفضائية المحلية، أنه عمل في أربعة أشهر أكثر مما عمله الآخرون في ست سنوات؟
قد يكون ذلك صحيحاً على الصعيد الشخصي، فقد سافر في الأربعة أشهر الماضية أكثر مما سافر الآخرون في ست سنوات كاملة، لدرجة كنا نظن أنه مقيم في دول الخليج أو شرق آسيا؟
وقد يكون ذلك صحيحاً على صعيد هدر المال العام، فما أهدره واتحاده على السفرات وعلى المدربين الهاربين، وعلى مصاريف البروظة، والقرارات العشوائية الارتجالية يفوق ما أنفقه الآخرون ليس في ست سنوات بل في خمسين سنة هي عمر اتحاد كرة القدم؟
أما على صعيد العمل والتطوير، فإنه واتحاده خرب في أربعة أشهر، ما بناه الآخرون في السنوات الست الماضية، والأدلة كثيرة وهي دامغة.
الآخرون بنوا منتخبنا الوطني وحافظوا على استقراره وانسجامه وقدموا له كل الدعم الممكن والمعسكرات والمباريات فكسبنا منتخباً قوياً متمكناً منسجماً خاض التصفيات الآسيوية وتصدرها دون أي خسارة مسجلاً عشرة أهداف، ولم يدخل مرماه إلا هدفان في ست مباريات.
أما هو واتحاده، فقد خرب هذا الاستقرار والانسجام، فبدل أربعة مدربين في أربعة أشهر، وهذا ما لم تفعله أندية الدرجتين الأولى والثانية في دوري بلادنا، وهذا ما لم يحدث في كرتنا في نصف قرن مضى من عمر كرتنا.
لذلك صدق في قوله عندما قال: عملنا ما لم يعمله الآخرون.
أيضاً على صعيد اللاعبين فقد فتح أبواب المنتخب لكل اللاعبين، وبات يدخله من هب ودبّ حتى وصلنا إلى منتخب جديد بالكامل لكننا فقدنا عناصر الخبرة، وفقدنا الأهم وهي حالة الاستقرار والانسجام في المنتخب وهم عوامل مهمة في هذه البطولة القارية.
الحقيقة المرّة
قول الحقيقة يجب ألا يزعج أحداً، فمنتخبنا ذهب إلى الدوحة بعشرة لاعبين فقط، لأن البقية كانوا غير مؤهلين للانضمام إليه، والعلة ليست فيهم، وإنما في الظروف التي وضعتهم في المكان غير المناسب، وهي مسؤولية اتحاد كرة القدم والقائمين على المنتخب الوطني. والحقيقية تقول: منتخبنا ضم أربعة لاعبين مصابين غير قادرين على المشاركة وهم: عادل عبد الله- لؤي شنكو- فراس الخطيب- طه دياب، وهذا يعني أننا فقدنا بدلاءهم، وأننا أفقدنا المدرب أوراقاً رابحة كان يمكن لو وجدت في المنتخب لغيرت الكثير من أحواله، ولدعمت حالة التفوق الذي قدمه منتخبنا في بعض مراحل المباريات الثلاث وخصوصاً مباراتي اليابان والأردن اللتين لم نجد فيهما البديل المناسب.
أيضاً ضم منتخبنا بعض اللاعبين الذين افتقدوا الخبرة الدولية مثل: سامر عوض وقصي حبيب وأحمد صالح وجهاد الباعور وبرهان صهيوني لذلك فقد ظلمنا بإشراك العوض والحبيب، ولم نغامر بإشراك الصالح والباعور وبرهان صهيوني؟ أما عبد الفتاح الآغا فكنا نجهل مستواه، والأهم أنه لم يكن منسجماً مع المنتخب فلم يفدنا في شيء؟
من هذه القراءة نجد أن منتخبنا لم يستطع المنافسة، ولم يكن قادراً على قلب المعادلة في كل المباريات التي خاضها، ففزنا على السعودية على حساب تواضعها، وخسرنا أمام اليابان والأردن على حساب سوء إدارتنا وإعدادنا، ولو كنا لا نملك إلا هؤلاء اللاعبين لقلنا هذا قدرنا وللأسف استبعدنا الكثيرين الذين كنا نحتاجهم في مثل هذه المحنة!
وماذا بعد؟
ما تكلمنا عنه اليوم هو غيض من فيض، ولدينا الكثير لنتكلم عنه في الأعداد القادمة، على صعيد الأخطاء المرتكبة في إعداد منتخبنا الوطني، وعلى سوء إدارة النشاط المحلي وما تضمن من مخالفات وخروقات وتجاوزات، وفعلاً نحتاج إلى مراجعة شاملة، نضع فيها النقاط على الحروف، لنبدأ مرحلة كروية جديدة وجادة نبني فيها كرتنا بالشكل الصحيح.
ربما الحسنة الوحيدة التي جنيناها من مشاركتنا في دوحة قطر أنها كشفت السلبيات وعرّت القائمين على إدارة المنتخب، والقائمين على قيادة الكرة السورية، هذه الحسنة يجب أن نستفيد منها، فزلزال الدوحة يجب أن يطيح بالقائمين على كرة القدم لأنهم أثبتوا فشلهم، وعدم قدرتهم على العمل والتطوير، ومن السذاجة منحهم الفرصة لأنها ستكون على حساب كرتنا الوطنية.
إعادة النظر بكرتنا يجب أن تبدأ من الخطوة الأولى وهي إعادة النظر باتحاد الكرة، وبعدها لكل حادث حديث.